لم تعد تداعيات التوترات العسكرية في الشرق الأوسط مقتصرة على ساحات المواجهة أو على تقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية، بل بدأت آثارها تنعكس تدريجيًا على الحياة اليومية في عدد من الدول. وقد أدى التصعيد المتواصل في المنطقة إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار الوقود، طالت العديد من البلدان التي تعتمد بشكل كبير على استيراد المحروقات، وسط حالة من الترقب وعدم اليقين التي تخيم على أسواق الطاقة الدولية. ويرى محللون أن حرب إيران قد تؤدي إلى معاناة المستهلكين والشركات حول العالم من ارتفاع أسعار الوقود لأسابيع أو أشهر، حتى إذا انتهى الصراع الذي اندلع قبل أسبوع سريعًا، وذلك في ظل المصاعب التي سيواجهها الموردون في التعامل مع المنشآت المتضررة، وتعطل الخدمات اللوجستية، وارتفاع مخاطر الشحن. وأدى الصراع بالفعل إلى تعليق نحو خمس إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي العالمية، مع استهداف طهران سفنًا في مضيق هرمز الحيوي بين سواحلها وسلطنة عُمان، وشنها هجمات على البنية التحتية للطاقة في أنحاء المنطقة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة 24 في المئة خلال الأسبوع الجاري، ما أدى إلى زيادة أسعار الوقود للمستهلكين في مختلف أنحاء العالم. ويعني الإغلاق شبه الكامل للمضيق اضطرار كبار منتجي النفط في المنطقة — السعودية والإمارات والعراق والكويت — إلى تعليق إرسال شحنات تصل إلى 140 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل نحو 1.4 يوم من الطلب العالمي، إلى مصافي التكرير حول العالم. وعلى الصعيد الوطني، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن وضعية تموين السوق المغربية من المحروقات لا تزال مستقرة في الظرفية الراهنة، إذ يتيح المخزون المتوفر حاليًا تغطية حاجيات الاستهلاك الوطني لمدة تناهز ثلاثين يومًا، وهو ما يعكس مستوى مريحًا نسبيًا من الاحتياطي الطاقي. وفي هذا السياق، أوضحت الباحثة في علوم الاقتصاد والتدبير بجامعة ابن طفيل، أحلام قفص، أن التجارب السابقة المرتبطة بالأزمات الجيوسياسية، وعلى رأسها الأزمة الروسية-الأوكرانية، أسهمت في تعزيز قدرة المغرب على تدبير المخاطر المرتبطة بتقلبات أسواق المحروقات. وأكدت قفص أن أسعار المواد النفطية في المغرب، وإن كانت مرتبطة بشكل مباشر بتطورات الأسعار في الأسواق الدولية، فإنها تتأثر أيضًا بمستوى المخزون الاستراتيجي المتوفر قبل اندلاع الأزمة الإيرانية، والذي يتيح تغطية الطلب الداخلي لمدة تصل إلى شهر واحد. وأضافت الباحثة الاقتصادية أن هذه المدة تمثل هامشًا زمنيًا مهمًا في الظرفية الحالية، إذ تتيح إمكانية حدوث تطورات إيجابية في الأسواق الدولية قبل انتقال أي موجة ارتفاع قوية إلى السوق الوطنية. كما شددت على أن مواكبة الحكومة لتطورات الإمدادات الطاقية على الصعيدين الإقليمي والدولي تظل عاملًا أساسيًا في تدبير هذه المرحلة، إلى جانب أهمية ترشيد الطلب الداخلي على الطاقة، خاصة في قطاع النقل، باعتباره أحد المداخل العملية للتخفيف من آثار هذه الأزمة المستوردة. وفي وقت سابق، كشف مصدر رسمي مطلع لجريدة هسبريس الإلكترونية أن "مخزون المغرب من المواد البترولية يكفي لتغطية حاجيات السوق الوطنية لمدة تصل إلى 30 يومًا، مع المتابعة اليومية لوضعية التموين والتقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية للطاقة، خاصة في ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وما تطرحه من تداعيات على سوق الطاقة العالمي". وأضاف مصدر هسبريس أن المخزون الوطني من المحروقات، بما يشمل الغازوال والبنزين وبعض المشتقات البترولية الأخرى، يوجد في "مستويات مريحة تسمح بتأمين تزويد السوق الداخلية لمدة شهر تقريبًا دون تسجيل أي اضطرابات في التموين"، موردًا أن "الجهات المختصة تتولى تتبّع الوضعية".