اقترن الخيار اللامركزي كأسلوب لتدبير الشؤون العامة في إسبانيا بدعم المسار الديمقراطي بالبلاد وتجاوز تبعات مظاهر الديكتاتورية؛ اعتمادا على تقاسم مهام التدبير بين السلطة المركزية ووحدات ترابية إقليمية تحظى باستقلال مالي وإداري وبصلاحيات سياسية هامة. يقوم النظام الجهوي الإسباني على ما تضمّنه دستور 1978 من مقتضيات تدعم الديمقراطية المحلية من خلال تمكين وحدات ترابية تحظى بخصوصيات ثقافية واجتماعية.. من استقلال ذاتي يمكّنها من تدبير شؤونها عبر نخب محلية منتخبة. يبدو أن خيار الجهوية في إسبانيا تحكمت فيه اعتبارات سياسية مرتبطة بتدبير الاختلاف المجتمعي بالنظر إلى التنوع العرقي والثقافي الذي يميز البلاد؛ وتعزيز الخيار الديمقراطي انطلاقا من ممارسات محلية؛ علاوة على تحقيق التنمية وتجاوز الفوارق القائمة بين مختلف الأقاليم في هذا الشأن. رغم التجربة السياسية الواعدة التي راكمتها إسبانيا على مستوى التحوّل الديمقراطي؛ وتحقيق التنمية بعد اكتمال دورة التناوب السياسي والانضمام إلى الاتحاد الأوربي؛ يبدو أن إرث الماضي في علاقته بتداعيات الحرب الأهلية المقرونة بحكم الجنرال فرانكو؛ لا زالت تخيم على البلاد على مستوى التضييقات التي طالت الساكنة والقمع الذي ووجهت به حركاتها الانفصالية، وهو ما يعكسه توجه قوى سياسية داخل بعض الأقاليم المشمولة بالحكم الذاتي إلى الاستقلال. وتندرج في هذا السياق؛ التوجهات الأخيرة لإقليم كاتالونيا؛ الذي يعتبر من أغنى المناطق السبعة عشر(17) بالبلاد ويساهم بنسبة هامة في دعم الاقتصاد الإجمالي للدولة وبخاصة وأن الإقليم مستثنى من تحصيل الضرائب على عكس إقليمي الباسك وتافارا، ويحتضن هذا الإقليم المتموقع في شمال شرق إسبانيا أزيد من سبعة ملايين شخص بنسبة تناهز 15 بالمائة من مجموع الساكنة ورقعة ترابية لا تتعدى 6 بالمائة من مساحة البلاد الإجمالية. قام رئيس الإقليم "آرتور ماس" بتوقيع مرسوم يقضي بتنظيم استفتاء حول استقلال كاتالونيا عن إسبانيا في التاسع من شهر نوفمبر للعام 2014؛ بعد مرور أسبوع على مصادقة البرلمان الكاتالوني على قانون في هذا الصدد. تضمن الإجراء المقترح طرح سؤالين على ساكنة الإقليم أولهما: "هل ترغب في أن تكون كاتالونيا دولة؟" والثاني في حال الإجابة بنعم: "هل ترغب في أن تكون الدولة مستقلة؟". ومباشرة بعد الإعلان عن الأمر؛ عقد مجلس الوزراء الإسباني اجتماعا عاجلا؛ لاحتواء تداعيات هذا التوجه الذي اعتبرته الحكومة الإسبانية استفزازا وعصيانا مدنيا وانتهاكا للدستور وسيادة الدولة؛ حيث لجأت إلى المحكمة الدستورية وقدّمت أمامها طعنا بصدد القانون الذي أصدره البرلمان الكاتالاني، والقاضي بتنظيم استفتاء يحدد تقرير مصير الإقليم. حاولت بعض القوى السياسية داخل إقليم كاتالونيا طمأنة الرأي العام والحكومة المركزية الإسبانيين؛ بأن الاستفتاء لم يكن الغرض من ورائه استقلال الإقليم؛ وإنما معرفة توجهات الساكنة في هذا السياق؛ مع الحرص على تقرير مصير الإقليم بشكل سلمي وديمقراطي. أمّا الحزب الاشتراكي العمالي والحزب الشعبي - وهما الحزبان الرئيسيان بإسبانيا – فقد عبّرا عن رفضهما القاطع لهذا الخيار؛ وقد اعتبر الحزب الشعبي القرار استبداديا وانتحاريا ويكرّس الفرقة بين الكاتالانيين ويبعدهم عن إسبانيا وأوربا. أقرّت المحكمة الدستورية بقبول الطعن خلال اجتماعها الطارئ في هذا الشأن؛ وهو ما استجابت له الحكومة المحلية بتعليق تدابير الاستفتاء في انتظار إصدار المحكمة لقرار نهائي حول الموضوع الذي تضاربت بشأنه المواقف داخل إسبانيا وبخاصة بين الحكومة الإسبانية وحكومة الإقليم. حيث أعلنت بعض الفعاليات الحزبية والسياسية المحلية رفضها لهذا الحكم. غير أن قرار الحكومة المحلية لكاطالونيا، القاضي بالتخلي عن إجراء الاستفتاء؛ وتبني استشارة بديلة رمزية في هذا الصدد؛ أسهم بشكل كبير في تراجع حدة التوتر في هذا الشأن. يؤكد الفصل الثاني من الدستور الإسباني على الوحدة المتماسكة للأمة.. ولا يقبل التجزيء ويعترف للقوميات والمناطق التي تشكله بحق الحكم الذاتي..، فيما يشير الفصل 153 منه على أن المحكمة الدستورية تضطلع بمهمة مراقبة أجهزة مناطق الحكم الذاتي؛ ومدى دستورية المقتضيات التي يتم إنزالها بمثابة قانون في هذه المناطق. ويشير الفصل 155 منه على أنه في حال عدم التزام منطقة الحكم الذاتي بالواجبات التي يفرضها الدستور؛ يمكن للحكومة بعد إشعار رئيس المنطقة ومصادقة الأغلبية المطلقة لمجلس الشيوخ؛ اتخاذ التدابير الضرورية لإلزام المنطقة بالقيام الإجباري بالواجبات المذكورة. كان لتداعيات الأزمة المالية التي عصفت بالاقتصاد الإسباني أثر كبير في إذكاء هذا التوجه في كاتالونيا؛ علاوة على استياء الساكنة من السياسات الاجتماعية والمالية التي باشرتها الحكومات المتتالية في السنوات الأخيرة والتي أنهكت الاقتصاد المحلي. فقد ازدادت حدّة تدمّر الساكنة مع تنامي الخصومات الضريبية التي فرضتها الحكومة على المنطقة في الفترة الأخيرة؛ تنفيذا للتدابير التقشفية التي أوصى بها الاتحاد الأوربي الدول الأعضاء، مما انعكس بالسلب على القطاعات الاجتماعية كالتعليم والصحة..؛ فيما سجّل نقص ملحوظ على مستوى الاستثمار في إحداث البنيات التحتية بالمنطقة. كما شكّل تنظيم الاستفتاء الذي شهدته اسكتلندا في الثامن عشر من شهر سبتمبر 2014 والذي دحض التوجهات التي تقرن الاستفتاء في مثل هذه الحالات بالاستقلال؛ عاملا محفّزا لكثير من الحركات الانفصالية في عدد من الدول؛ على الرغم من أن نتائجه جاءت رافضة للاستقلال عن المملكة المتحدة بنسبة تجاوزت 55 بالمائة؛ وبمشاركة تجاوزت نسبتها 84 بالمائة من الناخبين المسجلين. يحيل الاستقلال إلى مضمون سياسي يرتبط بحق تقرير المصير؛ وآخر بحمولة اقتصادية يتعلق بمبدأ السيادة على الثروات الطبيعية والموارد الوطنية؛ وينطوي تقرير المصير بدوره على دلالات اجتماعية وقانونية وسياسية ودولية؛ حيث راج بصورة كبيرة في خضم النضالات التي شهدتها مختلف بلدان العالم للتحرر من ويلات الاستعمار الأجنبي في القارتين الإفريقية والآسيوية؛ وهو يعني حقّ مجتمع معين تجمع أفراده هوية محدّدة؛ تتحكم فيها اعتبارات إثنية أو عرقية أو ثقافية.. وأهداف سياسية معينة.. في تحقيق طموحاته وتوجهاته بعيدا عن أي هيمنة أو تدخل أجنبيين. وقد تم تداول المفهوم لأول مرّة بعد فترة الحرب العالمية الأولى على يد الرئيس الأمريكي "وودرو ويلسون"؛ كما شكل المفهوم أحد المرتكزات التي أكّدت عليها معاهدة فرساي التي تمّ التوقيع عليها سنة 1919. أسهم ميثاق الأممالمتحدة في ترسيخ هذا المبدأ استنادا إلى الفقرة الثانية من المادة الأولى والمادة 55 منه؛ قبل أن يتعزز ذلك بإصدار عدة توصيات من الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ من قبيل القرار رقم 1514/ 1960 المتعلق بإعلان منح الاستقلال للدول؛ والقرار 2625/ 1970 المتعلق بمبادئ العلاقات الودية والتعاون بين الدول.. وفي أعقاب ذلك؛ بدا أن هناك مبالغة في التعامل مع هذا المبدأ؛ حيث ساد اعتقاد بأن من حقّ كل جماعة تجمعها لغة واحدة أو ثقافة واحدة أو فضاء جغرافي واحد.. المطالبة بالاستقلال استنادا إلى هذا المبدأ. ولأن القانون الدولي يدعم وحدة الدول؛ وأخذا بعين الاعتبار بأن المبالغة والانحراف في توظيف هذا المبدأ سيخلق حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار الدوليين؛ وبخاصة وأن الكثير من دول العالم تحتضن مجموعات إثنية وعرقية ودينية وثقافية مختلفة تتعايش بصورة بنّاءة وسليمة داخل المجتمع، فقد رفضت الأممالمتحدة محاولة الانفصال لإقليم "كاتانغا" الغني بثرواته المعدنية في سنوات الستينيات من القرن المنصرم. وجدير بالذكر أن الانفصال هو مظهر من مظاهر متعددة لممارسة حق تقرير المصير، لأن هناك سبلا أخرى تجد أساسها في القانون الدولي بإمكانها تحقيق أهداف وغايات هذا المبدأ، كنظام الحكم الذاتي القائم على الموازنة بين الرغبة في الاستقلال والمحافظة على الوحدة في آن واحد. فقد أضحت الجهوية من أبرز السمات التي تميز الأنظمة السياسية والإدارية الديمقراطية المعاصرة؛ وهي شكل جد متطور لنظام اللامركزية؛ التي تنهجها الدول كوسيلة مثلى لإشراك الساكنة في تدبير شؤونهم من خلال مؤسسات محلية تحظى بصلاحيات وإمكانيات مادية دون المس بسيادة الدولة ووحدتها. وهي وإن كانت لها مجموعة من المقومات والشروط المتعارف عليها عالميا؛ فإن تطبيقاتها تتخذ أشكال متباينة تبعا لخصوصيات الدول؛ كما تنطوي أيضا على خلفيات متعددة (تنموية؛ سياسية؛ اجتماعية..). إذا كانت بعض الدراسات تشير إلى أن خلق كيانات صغيرة جديدة يدعم تحقيق التنمية بشكل متسارع؛ فإن الممارسة الدولية (حالة جنوب السودان) تشير إلى أن إحداث دويلات هشة؛ يسهم بشكل كبير في تفتيت الدول وخلق أجواء من التوتر والفوضى وعدم الاستقرار الإقليمي والدولي. *مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات