أسالت الخرجة المغربية الأخيرة، عبر الإعلام الرسمي والواصفة لعبد الفتاح السيسي ب"قائد الانقلاب العسكري على شرعية الرئيس المنتخب محمد مرسي"، أنهاراً من المداد وأثارت معها علامات استفهام حول تزامن هذا الموقف وزيارةَ الملك محمد السادس لتركيا، وعن المغزى من هذا التوقيت، أياما فقط بعدما أحجمت قطر عن دعم المناوئين لنظام السّيسي، في ظل غياب أي بلاغ رسمي مغربيّ. التساؤلات السابقة، ضمّها الكاتب والباحث في العلوم السياسية، عبد الرحيم العلام، إلى أخرى بهدف توسيع دائرة فهم ما يجري، من قبيل "لماذا لم يجأ المغرب إلى حلفائه في الخليج من أجل الضغط على حليفهم السيسي لكي يتبني الموقف السعودي والإماراتي من الصحراء؟"، و"أليس في مقدور دول الخليج الضغط على النظام المصري من أجل فك ارتباطه بالجزائر و من ورائها روسيا؟"، و"أين الولاياتالمتحدةالأمريكية من كل ما يحدث؟". واعتبر العلام، في تصريح أدلى به لهسبريس، أن هذه التساؤلات تجعل الموقف المغربي في هذا التحول يتّسم بنوع من الغرابة، موضحا أن هذا الاستغراب قد يتبدّد حين استحضار دمج التأثير التركي وموقف مصر من الصحراء، "رغم العلاقة الجيدة بين الجزائروتركيا، إلا أن الأخيرة قد تغير موقفها من النظام الجزائري إذا ما حصلت على ضمانات أكيدة من المغرب". تلك الضمانات، وفق العلام، تتعلق بما من شأنه أن يقوّي العلاقات بين الرباط وأنقرة، سيما في ظل التقارب بين مصر والجزائر، وبين هذين الأخيرين وروسيا والصين، "وفي ظل الارتباط الوثيق لكل من تركيا والمغرب بالولاياتالمتحدةالأمريكية"، مشيرا إلى أن تركيا قد تضحي بعلاقتها بالجزائر، التي تدعم السيسي في مصر وقوات "حفتر" في ليبيا، والمرتبطة بروسيا الداعمة لبشار الأسد. وذهب المتحدث بالقول إن تركيا ستستفيد أكثر من ارتباطها بالمغرب في تقوية حليفها السياسي والأيديولوجي في المغرب، أي حزب العدالة والتنمية، "بينما سيكون الخاسر الأكبر في هذا التقارب هما حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال المعروف عليهما تأييدهما الانقلاب العسكري في مصر". الإعلام ومواقف المغرب الباحث المغربيّ استغل الواقعة للحديث عن الإعلام المغربي، "المغرب لا يتوفر على إعلام مرئي مستقل عن توجهات السلطة التنفيذية، فهو يخضع لرقابة التوجهات الرسمية للدولة، سيما ما يتعلق بالسياسات الخارجية"، مضيفا أن أي فاعل، غير المؤسسة الملكية، لا يمكنه أن يقرر فيه "بدون توجيه أو علم من القصر المغربي"، على أن التقارير التي أنجزت "لم تأت من غرفة التحرير بشكل مستقل". وعرج العلام على المواقف التي اتخذتها الرباط خلال السنتين اللتين أعقبتا حدث اعتقال مرسي وحظر جماعة الإخوان المسلمين، بالقول إن المغرب كان من ضمن 5 دول عربية التي اعترفت برئاسة عدلي منصور المفروض من طرف قائد الجيش عبد الفتاح السياسي، عبر برقية تهنئة، التي وصفها كونها جاءت معاكسة للتوجه العام للعديد من المغاربة "ممن اعتبروا ما حدث في مصر انقلابا عسكريا"، فيما ظل الموقف مستمرا لمدة تجاوزت السنتين، حيث مثل وزير الخارجية المغربي المغرب في حفل تنصيب السياسي رئيسا. إلى جانب ذلك، ظل المغرب على درجة ودّ كبيرة من الدول التي تدعم السيسي وخاصة الإمارات والسعودية، بينما لم يكن على علاقة جيدة مع كل من تركيا "الملك لم يستقبل أردوغان عندما زار المغرب، إذا فضل أن يستمر في عطلته الخاصة بفرنسا.."، وإيران "قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية مع إيران منذ 2009 احتجاجا على موقف الأخيرة من البحرين". دوافع الخرجة المغربية أما عن الحيثيات التي تحكمت في خرجة الإعلام المغربي الرسمي ضد نظام السيسي مع مطلع السنة الجديدة، فخلص عبد الرحيم العلّام كون الأمر يتعلق بسيناريوهات مختلفة القوة، أبرزها كون المغرب قد ضاق ذرعاً بالتقارير التي ينجزها الإعلام المصري حول المغرب، من قبيل الدعارة وانتقاد السياسات الملكية والموقف من قضية الصحراء..، على أن الرباط، يضيف المتحدث، أراد أن يوجه تحذيراً للقائمين على الاعلام في مصر "بأنه يمكن أن يطالهم ما يطال المغرب". وفيما اعتبر العلّام أن هذا السّيناريو يبقى ضعيف الاحتمال، أمام الزيارة التي قام بها الملك إلى تركيا، بالقول "لقد مدد الملك زياراته الرسمية للإمارات لكي تتحول لزيارة خاصة، لكن ما لبث أن نقلها إلى تركيا دون أن يكون ذلك مقررا"، على أن البعض اعتقد بأن المغرب يقوم بوساطة بين دول الخليج من جهة وتركياوقطر من جهة ثانية، "لكن هذا الأمر يعتريه بعض النقاش، إذ أن المغرب سارع إلى إعادة علاقاته المقطوعة من إيران العدو اللدود للإمارات والسعودية، والتي تدعم نظام بشار الأسد". السيناريو المرجح بقوة، وفق المتحدث، هو علاقة مصر بالجزائر وتأثير ذلك على الموقف من قضية الصحراء، حيث شدد العلام على التقارب الملفت بين القاهرةوالجزائر، "الجيواستراتيجية تؤكد بأن الطبيعي هو قيام تحالف بين مصر والجزائر وروسيا وإيران"، حيث تؤيد طهران نظام السّيسي، لأنّه أزاح مرسي المؤيد للثورة السورية، أما علاقة مصر بدول الخليج "فهو أمر قد يكون طارئا ومؤقتا نظرا لتوافق المصالح خاصة العداء المشترك لجماعة الإخوان المسلمين". وتابع العلام بالإشارة إلى أن التقارب الجزائري المصري أثمر عودة القاهرة إلى حظيرة الاتحاد الإفريقي بعد أن جمّد الأخير عضويتها في الاتحاد بسبب ما اعتبرها "انقلابا عسكريا"، مضيفا أن هذه العودة جاءت بضغط كبير من النظام الجزائري، إلى جانب التغطية الكبيرة التي يقوم بها الإعلام المصري لمخيمات تندوف، وتسليط الضوء على قضية الصحراء من خلال بعثات صحفية وربورتاجات ومقابلات مع شخصيات سياسية من جبهة البوليساريو.