تنفيذا للتعليمات الملكية .. "لارام" تطلق أسعارها الجديدة لفائدة مغاربة العالم    اتحاد المحامين العرب يستنكر بشدة قرار البرلمان الأوروبي بشأن المغرب    بعد حل فروعه وتنظيماته بفاس .. "الاستقلال" يكلف فتاح بمهام التنسيق بالنيابة    وهبي "يستعيد" الرحامنة من خال الهمة.. قال: "نرجس لم يبق معه أحد"    "إل موندو": الملك يوقف المفاوضات حول تجديد اتفاقية نقل الغاز الجزائري عبر المغرب إلى إسبانيا    نفتالي بينيت رئيسا للوزراء في إسرائيل خلفا لبنيامين نتانياهو    لأول مرة بالمغرب.. حسنية أكادير يعتمد حرف "تفيناغ" على أقمصة لاعبيه    هذه تواريخ نصف نهائي عصبة الأبطال الإفريقية    كأس أوروبا: فوز أول للنمسا في مشاركتها الثالثة في النهائيات    كوپا أميركا 2021: هل يحرز ميسي أخيرا لقبا كبيرا مع الأرجنتين؟    الملك يعطي تعليماته لوضع ترتيبات خاصة للمواكبة رهن إشارة الجالية    في عز الأزمة مع مدريد .. أمزازي يوضح حقيقة حصوله على الجنسية الإسبانية    التوزيع الجغرافي لحالات "كورونا" خلال ال24 ساعة الماضية    أداء سيء ومنتخب بدون روح.. هذا ما يريده لقجع من خليلوزيتش في اجتماع ثنائي    ''النموذج التنموي الجديد .. قراءات متقاطعة'' موضوع ندوة تفاعلية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية بمراكش    الجزائر تسحب اعتماد قناة "فرانس 24" وتتهمها بالتحامل والتحريض    أكاديمية طنجة: الدورة العادية لامتحانات البكالوريا مرت في ظروف جيدة    بعد الأمر الملكي.. "لارام" تعلن عن أسعار تفضيلية لفائدة الجالية المغربية    أمانة المصباح تندد باستهداف مناضلي الحزب والمتعاطفين معه    عجز الميزانية في المغرب يتجاوز 24 مليار درهم خلال 5 أشهر الأولى    قواة الأمن تعتقل مخرب الشبابيك البنكية الآلية بهذه المدينة    الأردن: ثبت أن ولي العهد الأردني السابق حاول الحصول على مساعدة الرياض للوصول الى الحكم    لجنة حقوقية بمراكش تطالب بإطلاق سراح الراضي والريسوني    بعد استيلائها على 300 مليون.. محامية بمكناس تجر موظفة بالمحكمة للقضاء    إنجلترا تتفوق على كرواتيا في "يورو 2020".. فيديو    الأمريكان يعلنون بشكل مفاجئ وقف استخدام ملايين الجرعات من اللقاح المضاد لكوفيد-19 نوع جونسون آند جونسون.    إريكسن لزملائه: "أعتقد أن حالكم أسوأ من حالي.. أشعر أنني أرغب في التدرب"    رئيس الحكومة الإسبانية يرفض خطة وزارة الدفاع الخاصة بمليلية وسبتة    مجموعة قمة السبع .. أبرز نقاط الاتفاق والاختلاف بالمسودة شبه النهائية    من يكون الشاعر العراقي سعدي يوسف المثير للجدل الذي فارق الحياة في لندن؟    الجزائر تنتظر نتائج الانتخابات التشريعية وسط موجة مقاطعة واسعة    دوري باريس ل"الكراطي".. المغربية ابتسام سادني تحرز الميدالية الذهبية وتتأهل إلى أولمبياد طوكيو    20 مليون كمامة فاسدة تجتاح ولاية ألمانية    وفاة الشاعر العراقي الشهير "سعدي يوسف"    الملك يأمر بإعتماد أسعار مناسبة ومعقولة لنقل مغاربة العالم لزيارة بلدهم    طقس حار وأجواء مستقرة .. هذه هي توقعات أحوال طقس اليوم الأحد 13 يونيو    سوس تستعد لاستقبال 500 ألف إسرائيلي    فيلم "عائشة" يمثل المغرب في الدورة 22 لمهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة    هذه حصيلة تلبية مجمع الفوسفاط لحاجياته بعيدا عن المياه الجوفية    "نادي الريف" يسلط الضوء على اهتمام الإعلام بالإنتاجات السينمائية الأمازيغية    حكامة الثقافة: المنحدر الخطير    استمرار احتجاجات عنيفة في العاصمة تونس ضد انتهاكات الشرطة    جرسيف..الأنابيك والوكالة البلجيكية للتنمية تنظمان ورشا تكوينيا في تخصص "المناجر كوتش"    بُرج محمد السادس .. 810 من العُمّال في ورش البناء على مدار الساعة لتشييد أطول برج في إفريقيا    فرضية تعود إلى الواجهة .. كورونا قد يصبح موسميا    بقيمة 100 مليون دولار..قرض جديد من البنك الدولي للمغرب    المطربة الشعبية هدى في احدث كليباتها الغنائية " صاحبة العروسة "    الصحة العالمية: لا نستبعد تسرب فيروس كورونا من مختبر    إصابة 14 في إطلاق نار بأوستن عاصمة ولاية تكساس الأمريكية    بعد أن كانت نسبة المشاركة في المساء4% أصبحت فجأة30%.. الجزائر بلد المعجزات!!    رئاسة النيابة العامة والقيادة العليا للدرك في لقاء تواصلي -فيديو    لقاء بالدار البيضاء مع غابرييل بانون حول روايته الأخيرة "ربوتات نهاية العالم"    حكاية عملة الملك فاروق "سيئة السمعة" وعمليات استخباراتية وملايين الدولارات    "لجنة الحج" تحتفظ بنتائج القرعة للموسم القادم    فيديو.. "التوفيق" يوضح حول إلغاء موسم الحج ومصير لوائح قرعة العام الماضي    وفق الحسابات الفلكية.. هذا موعد أول أيام عيد الأضحى في المغرب    مفتي مصر يعلق على قرار السعودية اقتصار الحج على المواطنين والمقيمين بأعداد محدودة    بعد قرار السعودية.. وزارة الأوقاف تكشف مصير نتائج القرعة السابقة لموسم الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محنة الفراغ لدى "ريجولاريس"
نشر في هسبريس يوم 06 - 05 - 2021

كلما شعرت بالفراغ ونازعتني الرغبة في الاختلاء بنفسي، قصدت ساحة دار المخزن للجلوس منفردا بعيدا عن صخب الناس. أتطلع إلى تهدئة أعصابي وتحسين مزاجي. خلوة أجدد بها شحن طاقتي، تمنحني شعورا بالحرية من قيود الحياة.
من شرفة "كومندانسيا" المحاذية لبرج اليهودي، وقفت مطلا على ضفاف نهر لوكوس مسافرا عبر الزمن، مستحضرا زمن الفينيقيين، الوطاسيين والسعديين، وحضارات عديدة تعاقبت على هذا الوادي. هواء عليل يصعد إلى وجهي، أنظر إلى حركة المراكب يحلق فوقها سرب أبيض من النوارس بمرسى المدينة، لحت ببصري نحو أطلال ليكسوس القابعة فوق هضبة "الشميس"، المدينة الأسطورة! مدينة شامخة ضاربة في القدم تتنفس عبق التاريخ. استغرقت في التأمل أقلب بين ثنايا الماضي البعيد. تماثلت أمام عيني معركة "المليحة" ضد البرتغاليين على ضفاف النهر، وهجمات الإسبان والفرنسيس على ثغر العرائش من جهة البحر. وقفت ساهما في مكاني برهة، صرت هائما على وجهي، وما هي إلا لحظات حتى تهادى إلى مسمعي صوت شيخين طاعنين في السن يجلسان القرفصاء وراء جدران مسجد الأنوار، منهمكان في لعبة الورق.
في المساء، يتحول فضاء كومندانسيا إلى مرتع لشيوخ نالت منهم تضاريس الزمن فاحدودبت ظهورهم، يشعرون بالتعب بعد كل هذه السنوات التي أثقلت كواهلهم، معظمهم من جنود "ريجولاريس" قاتلوا بضراوة إلى جانب فرانكو بإسبانيا. يفترشون قطع الكارتون وينغمسون في لعبة الورق و"ضاما" قصد التلهي وقتل الوقت، وكأنه آفة لا بد من قتلها. ينتحي الفيلالي إحدى زوايا الساحة رفقة غريمه في اللعبة الحارثي، وهو بحار سابق أنهكه تجديف القوارب، أما الفيلالي فهو جندي متقاعد عبوس القسمات، خدم فرانكو بإخلاص، وفقد عينه اليسرى بإحدى معارك الحرب الأهلية الإسبانية الشرسة.
راقني حديث الرجلين، كانا يرتديان الجلباب الصوفي، ساورني الفضول فاقتربت منهما أكثر واقتعدت مصطبة إسمنتية، عدلت جلستي ورحت أرقبهما أستمتع بالنزال الذي أخذ يحمى وطيسه. خمنت أنهما يلعبان "الروندا". على الرغم من إعاقته البصرية إلا أن الفيلالي لاعب ذكي، وهو الذي راكم خبرة واسعة في خبايا لعبة "الروندا"، يحسب أوراقه جيدا ويلم بكل تقنيات اللعبة وهفواتها المحتملة، فيما الحارثي شخص عنيد لا يستسلم بسهولة، يحاول مجاراة ألاعيب وحيل خصمه الماكر، وبعد محاولة يائسة منه لتخمين ما تبقى في يد الفيلالي من أوراق، يسقط الحارثي مهزوما أمام خصمه اللدود الذي أطاح به بضربة "ميسا" القاضية.
بعد برهة قصيرة، أقبل شيخ مبتور الساق طويل القامة بخطى حثيثة، كان يعتمر عمامة صفراء، يمشي ببطء مستندا إلى عكازه الخشبي، يدعى "السرجان اليزيد"، جلس القرفصاء وانضم إلى الرجلين في لعب "الكارطا"، هذه المرة قرروا أن يلعبوا "صوطا"، وهي لعبة تقتضي أن تتخلص من كل أوراقك ومن بقيت ورقة "صوطا" وحيدة في يده في الأخير، فهو الخاسر الأكبر. قام الحارثي بتوزيع الكارطا بالتساوي بين اللاعبين بعد "ضمسها"، التقط الثلاثة أنفاسهم وشرعوا في اللعب بتركيز وخشوع فائق.
احتدمت المنافسة وبدا الفيلالي متفوقا منذ الوهلة الأولى، كيف لا وهو اللاعب الماكر! أخذت الأوراق تتآكل من بين يديه، فيما ملامح الغضب علت قسمات وجه اليزيد، كيف يقبل السرجان بهزيمته أمام جندي كان البارحة يشتغل تحت إمرته في الجيش الإسباني، أضف إلى ذلك أنه كان مقربا من الجنرال الريفي أمزيان الذي كان قائدا عاما لجيش "ريجولاريس" طيلة مدة الحرب الأهلية. أخذت الشكوك تراود اليزيد وهو يرى غريمه الفيلالي يتخلص من أوراقه بسرعة البرق، وقع في ظنه أنه يغشه، استشاط غضبا وأخذ يصرخ وينعت جنديه السابق بالقديس الأعور، فيما لبث الفيلالي صامتا يتحمل الشتائم من طرف رئيسه السابق في الجيش، يتابع لعبه برباطة جأش دون أن يغفل عن السبحة التي لا تفارق أنامله، وأخيرا استنفد كل أوراقه وانسحب منتصرا من لعبة "صوطا" وهو في حالة انتشاء.
صار السرجان اليزيد مكروب النفس، أطلق زفرة قوية واستجمع قواه من جديد لمواجهة خصمه الآخر العنيد الحارثي.
في هذه الأثناء بدا واضحا أن الحارثي يتقدم عليه، وملامح النصر تلوح في الأفق، صعدت فورة الدم إلى رأس السارجان وأصبح يشعر بالتوتر، لا سيما وهو يقترب من الهزيمة، صاح بقوة في وجه الحارثي بعدما أمطره بوابل من نعوت قدحية قائلا: أنت غشاش يا (مول المقذف)، أنت مجرد جداف قوارب، محاولا أن يحط من قيمته.
فما كان من الحارثي إلا أن رد الصاع صاعين منتفضا في وجه السرجان اليزيد مرددا: اخرس يا "بورجيلة وحدة"، لا يعور ولا يعرج إلا البلا المسلط! لحظتها، تدخل الفيلالي بعدما أخذته العزة مؤازرا رفيق دربه معتقدا أن الحارثي أهانه هو أيضا كونه أعور العين اليسرى. صار المشهد ضاجا بالصراخ وتحول إلى مشادة عنيفة، رفع السرجان عكازه وهش بها على الحارثي مما زاد الوضع تأججا، لكن الفيلالي تصدى له ومنعه محتدا: هدئ من روعك يا أحمق، هل فقدت عقلك، هذا لعب الدراري! نحن في لعبة "كارطا" ولسنا في معركة ضد "الروخوس". في خضم هذا الصخب وزوبعة الأصوات، صدح المؤذن السربوت بصوته الجهوري من أعلى المئذنة وكأنه يعلن نهاية المنازلة، ليمتثل الجميع للآذان ويعود الهدوء. حملق الثلاثة في وجوه بعضهم البعض مطلقين ابتسامة الصلح والرضا، وقاموا مهرولين لصلاة المغرب وكأن شيئا لم يحدث، فيما ظل السرجان متأخرا يجر عكازه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.