مِن أهم مطالب الاستشراق هو تفكيك قواعد الشريعة وأصولها، ولغتها، و"تفجيرها من الداخل". وهذا ليس تحليلا، بل تلك حقيقة مدونة فيما لا يحصى من المؤلفات، على رأسها دائرة المعارف الاسلامية.. أما تفكيك قواعد اللغة والادب العربي والاسلامي فقد تكفل به الدكتور طه حسين وزملاؤه، كما بيَّن ذلك بإسهاب الاستاذ محمود شاكر في بعض مؤلفاته.. واما علوم الشريعة فقد تكفل بها "رواد التجديد"، ولا سيما شيخ مدرسة المنار، وكان من وسائل هذا التفكيك استغلال آراء جماعة من العلماء، على رأسهم الشيخ ابن تيمية.. وبالمناسبة فإن الحنابلة حلوا مشكلة آراء ابن تيمية منذ قرون: بِأن أدخلوا اجتهاداته غير المخالفة للإجماع في مصنفاتهم على أنها أقوال في المذهب الحنبلي، وانحلت المشكلة معه. ودونكم كتاب "الانصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للمرداوي. إمكانكم ان تكتبوا عبارة "ابن تيمية" في هذا الكتاب من الشاملة لتجدوا الجواب الكافي الشافي: وهو أنه عندهم من كبار علمائهم فقط وليس "سوبرمان"، فهو ليس حكما على المذهب الحنبلي فبالاحرى ان يكون حكما على جميع العلماء بمن فيهم الصحابة، كما هو حال مدرسة المنار في هذا العصر البيئس من تاريخ المسلمين، حيث استغلوا كتبه في العقيدة (وكانت الايادي الآثمة قد نالتها) لنشر التجسيم، واستغلوا شذوذاته في الفقه ليهتكوا بها حجاب الاجماع، ويتسوروا حائط المذاهب الأربعة.. ومن الادلة على ذلك أنهم لا يأخذون برأيه إذا كان مع الجماعة.. وها هو مثلا يحكي إجماع الصحابة في حكم المرتد، فيتفقون عبر العقود من السنين على مخالفته.. مما يدلك على أنه عبارة عن "دَفّة (باب)" بتعبير المغاربة، لنشر الشذوذ وتخطي القواعد.. والذي يدلك على ذلك ان مدرسة المنار منذ عهد مؤسسها الى اليوم ينصبُّ جهدها على مراجعة المفروغ منه، والتشكيك في المتفق عليه وإن كان لا أثر له في الواقع: ألم يشككوا في وجود الملائكة والشياطين، وفي رفع عيسى عليه السلام وفي واقعة الفيل… ويرون ان المقاصد قاضية على القواعد الاصولية.. والحال ان الاستعمار كان جاثما على معظم الدول الاسلامية، بل كان بعضهم اصدقاء وأعوانا للاستعمار، ويكفي أن نذكر ان الشيخ محمدا عبده كان صديقا للمندوب البريطاني اللزرد كرومر.. (أما الشيخ رشيد رضا فحقيقة حاله لا تحكى على الملأ..).. وعلى هذا فحديث مناصري ثقافة الامة اليوم عن مضمون كتب الشيخ ابن تيمية ليس مردُّه الى عداء شخصي مع هذا العالم، ولكن المقصود هو كشف زيف هؤلاء المعاصرين الذين جعلوه في رتبة الانبياء لتمرير التفكيك المطلوب للثقافة الاسلامية.. بقي عندي سؤال وجواب عنه: مدرسة المنار منذ نحو قرن وهي تراجع وتصحح وتجتهد فما هي النتيجة؟ الجواب تجدونه فيما يجري في المشرق العربي الاسلامي، والجواب كذلك هو ان معظم أقطاب الحركة الاسلامية العربية يلتقون عمليا مع الاطروحة العلمانية، والحرية الشخصية اللامحدودة، مع فرق جوهري وهو انهم يؤصلون لذلك من داخل الاسلام.. ألم يقل بعض أقطابهم ان الدولة لا علاقة لها بالخمر ولا بترك الصلوات، ولا بترك الصيام علانية… ووو