تغيير مواقيت العمل بالإدارات في رمضان    ألباريس: العلاقات بين المغرب وإسبانيا في أوجها وحجم التجارة يبلغ 21 مليار أورو    هيئة النزاهة: تصنيف المغرب في مجال الرشوة ومحاربة الفساد دون مستوى الانتظارات    الكتابة الجهوية بمراكش–آسفي تدعو إلى تسريع وتيرة الإصلاحات    "النهج": الفيضانات كشفت فشل السياسات العمومية في مجال التهيئة المجالية وتدبير الموارد الطبيعية    أساتذة مدرسة عبد بن ياسين بالحسيمة يحتجون على تأخر صرف منحة "رائدة" ويهددون بالتصعيد    التساقطات المطرية تخلف خسائر ب 163 طريقا وتغلق مسارات بالشمال    فنانة مغربية ضمن برنامج «مستقبليّات»: مفردات تكشف عن أسماء النسخة الثانية من مبادرتها الفنية العربية    سهرة شيوخ العيطة تحط الرحال بالدار البيضاء بعد نجاح دورتها الثالثة بالرباط    الفنان العياشي الشليح أستاذ الآلة وأحد الأعضاء الموسيقيين الأوائل .. ورقة أخرى تسقط من تاريخ الموسيقى الأندلسية    لقجع: نجاح تنظيم كأس إفريقيا بأطر مغربية يعزز الاستعداد لمونديال 2030    سد وادي المخازن يصل إلى 167 في المائة بعد استقباله 105 مليون متر مكعب في يوم واحد    الجديدة : العمل المشترك بين رئيس المحكمة ووكيل الملك مكن من تحقيق النجاعة القضائية        لعلج: "مونديال 2030" فرصة لتسريع التنمية وخلق قيمة مضافة محلية    نتانياهو يلتقي ترامب وصواريخ إيران على رأس جدول الأعمال    عمر الشرقاوي يفكك دلالات برقية التهنئة الملكية لمحمد شوكي وسلفه عزيز أخنوش    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأربعاء    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية        لحاق الصحراوية 2026: متسابقات يصنعن ملحمة رياضية بين الكثبان والبحر    توتر داخل الكاف قبل اجتماع دار السلام واحتمال غياب عدد من الأعضاء    إصابة عضلية تبعد برقوق عن الرجاء لمدة شهر    الودائع البنكية تسجل الارتفاع بالمغرب    بورصة البيضاء .. تداولات الافتتاح على وقع الارتفاع    برنامج "إحياء" يطلق "بوتكامب الجيل الجديد" بتثمين 30 مشروعا قرويا مبتكرا    انتقادات تلاحق عمدة الدار البيضاء بسبب رفضها مناقشة الدور الآيلة للسقوط وعمليات هدم الأسواق    حقينات السدود ترتفع إلى أزيد من 11,4 مليار متر مكعب بنسبة ملء تفوق 68 في المائة    "أونسا" يسحب ويتلف دفعات من حليب الرضع بعد تحذيرات دولية مستعجلة    النادي الصفاقسي يلوّح بالانسحاب من الدوري التونسي احتجاجًا على قرارات التحكيم    لابورتا يتأهب لخوض انتخابات جديدة على رئاسة برشلونة    تراجع أسعار النفط في ظل تقييم مخاطر الإمدادات    تقارير فرنسية .. الركراكي متمسك بمغادرة تدريب المنتخب            القصر الكبير: تأجيل عودة السكان لمساكنهم بسبب استمرار الاضطرابات الجوية وسط مؤشرات انفراج    أنفوغرافيك | عمالقة روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي    الصين: أكثر من 1,4 مليار رحلة في الأسبوع الأول من موسم السفر بمناسبة عيد الربيع    "مستر بيست" يستثمر في بنك لجذب "الجيل زد"    أتمسك بحقي في الصمت".. غلين ماكسويل ترفض الإدلاء بشهادتها أمام لجنة الرقابة بالكونغرس الأمريكي    الشرطة الكورية تداهم مقر المخابرات    دراسة تثبت نجاعة تمارين الدماغ في الحدّ من خطر الإصابة بالخرف    ترامب يطالب بحصة في جسر مع كندا    الجديدة : تفاصيل اعتقال أمني ورئيس جماعة في فبركة ملفات    المغرب يشارك في الدورة ال 61 لبينالي البندقية برواق في قلب "أرسينالي"    صدور كتاب نقدي جديد حول أنثروبولوجيا السرد الروائي بالمغرب للباحث والروائي أحمد بن شريف    النسخة الثانية لملتقى النحت والخزف بالدار البيضاء    في وداع الهرم الشفشاوني «سيدي العياشي الشليح»    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    صادم.. المغرب ضمن قائمة العشر دول الأكثر احتضانا في العالم لمرضى السكري من النوع الأول    اللّيْل... ماهو وما لونه؟    ظلمات ومثالب الحداثة    منظمة الصحة العالمية تستأنف برامج التطعيم ضد الكوليرا    العواصف والشدائد والمحن والمخاوف ومنسوب الإيمان لدى المغاربة    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    لأول مرة.. رئة صناعية تبقي مريضا على قيد الحياة 48 ساعة        دراسة: الأطعمة فائقة المعالجة ترفع خطر وفاة مرضى السرطان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رد تشغيبات القبوري المفتري
نشر في هوية بريس يوم 12 - 08 - 2017


هوية بريس – الحسين بن أحمد بختي
وقع بيدي منشور يدعو إلى الشرك الصريح، بدأه كاتبه بقوله: *مدد.. مدد.. يا رسول الله… مدد*
وهذا المنشور عبارة عن مجموعة من الشبهات والتشغيبات، يقصد صاحبها بها إثبات جواز الدعاء والاستغاثة والاستعانة بغير الله.
بدأ صاحبه بطرح أسئلة تمهيدية ليصل بها إلى عرض ما يريده من دعوة إلى الشرك والزيغ، فقال:
من المنعم بالنعم؟
من الذي يتوفى الأنفس؟
من الذي يهب الولد؟
من الذي يُدْخِلُ الجنة؟
من الذي يغفر الذنوب؟
قال: الله عز وجل طبعا.
قلت: فإن طلبت هذه الأفعال من مخلوق أو ادعاها مخلوق أهو شرك؟
قال: هو عين الشرك.
قلت: ماذا تقول في قوله تعالى حكاية عن الملك: {لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} والملَكُ هنا هو الذي وهب..
وفي قوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْت..}. فالذي يتوفى الأنفس هنا ملك الموت.. إلى غير ذلك من التشغيبات الباطلة التي سأردها بقذائف الحق المبين -إن شاء الله رب العالمين-.
لقد اعتمد هذا المبطل على توظيف النصوص في غير محلها، والتحكم في معانيها لتوافق أباطيله وافتراءاته.. ومن ذلك قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} (مريم: 19). قال بعد سوق الآية: (والملك هنا هو الذي وهب).
أقول:
لقد اختلف العلماء في قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} (مريم: 19) على قولين:
– ففي قول: لأكون سببا في هبة الغلام.
– وفي قول: حكاية منه لقول الله جل وعلا.
قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان:
"قرأ هذا الحرف أبو عمرو وورش عن نافع وقالون عنه أيضا بخلف عنه "ليهب" بالياء المفتوحة بعد اللام أي: ليهب لك هو، أي ربك "غلاما زكيا" وقرأ الباقون "لأهب" بهمزة المتكلم، أي: لأهب لك أنا أيها الرسول من ربك غلاما زكيا، وفي معنى إسناده الهبة إلى نفسه على قراءة الجمهور خلاف معروف بين العلماء، وأظهر الأقوال في ذلك عندي: أن المراد بقول جبريل لها؛ {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا}، أي: لأكون سببا في هبة الغلام". انتهى.
وليس في الآية دليل على ما يدعي هذا الدعي من جواز الاستغاثة ودعاء غير الله. وإلا فهل قادت سفسطة هذا الدعي أحدا من الصحابة أو التابعين أو الأئمة المعتبرين إلى ما ذهب إليه من جواز طلب المدد والغوث والعون من غير الله؟
وهل نزل هذا الملك استجابة لدعاء مريم له؟
وأين هذا الادعاء من كلام رب العالمين:
{أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} (النمل: 62).
وقوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} (الإسراء: 56).
أي: إن هذه المعبودات التي تنادونها لكشف الضرِّ عنكم لا تملك ذلك، ولا تقدر على تحويل المقادير من حال إلى حال، فالقادر على ذلك هو الله وحده. وهذه الآية عامة في كل ما يُدْعى من دون الله، ميتًا كان أو غائبًا، من الأنبياء والصالحين وغيرهم، بلفظ الاستغاثة أو الدعاء أو طلب المدد، فلا يقدر على ذلك إلا الله.
وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} (الأحقاف: 5).
أي: لا أحد أضلُّ وأجهل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب دعاءه أبدًا من الأموات أو الأحجار أوالأشجار ونحوها، وهي غافلة عن دعاء مَن يعبدها، عاجزة عن نفعه أو ضره.
وقال سبحانه: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (يونس: 31).
ونحن نقول لك ما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوله لقومه:
"مَن يرزقكم من السماء، بما يُنزله من المطر، ومن الأرض بما ينبته فيها من أنواع النبات والشجر، تأكلون منه أنتم وأنعامكم؟
ومَن يملك ما تتمتعون به أنتم وغيركم من حواسِّ السمع والأبصار؟
ومن ذا الذي يملك الحياة والموت في الكون كلِّه، فيخرج الأحياء والأموات بعضها من بعض فيما تعرفون من المخلوقات، وفيما لا تعرفون؟
ومَن يدبِّر أمر السماء والأرض وما فيهن، ويدبِّر أمركم وأمر الخليقة جميعًا؟
فإن كان جوابكم مطابقا لجواب أسلافكم من المشركين؛ بأن الذي يفعل ذلك كله هو الله؛ فنقول لكم: أفلا تخافون عقاب الله إن عبدتم معه غيره بالدعاء والاستغاثة والاستعانة؟
وإن كان جوابكم مخالفا لجواب أسلافكم من المشركين، وأن مع الله من يدبر الأمر؛ فاعلموا أن أمركم أشد وأنكى من المشركين الأوائل.
والمطلع على عقائد الصوفية يرى بجلاء أنهم فعلا يقولون بالشركاء في التدبير.. وخصوصا عقيدة الأقطاب والأغواث والأوتاد والأبدال والأنجاب..
*******************
قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الدعاء هو العبادة"، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]؛ رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن النعمان بن بشير، وصححه الترمذي، وكذا صححه الألباني في (صحيح سنن أبي داود: 1329).
وقال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة: 186).
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن أعرابيا قال: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان}.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
وإذا سألك -أيها النبي- عبادي عني؛ فقل لهم: إني قريب منهم، أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني، فليطيعوني فيما أمرتهم به ونهيتهم عنه، وليؤمنوا بي، لعلهم يهتدون إلى مصالح دينهم ودنياهم. وفي هذه الآية إخبار منه سبحانه عن قربه من عباده، القرب اللائق بجلاله.
ومما لبس به هذا المشغب بعد سوقه لقوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} (السجدة:11). قال: فالذي يتوفى الأنفس هنا ملك الموت..
أقول: يقصد هذا المفتري أن ملك الموت يملك القدرة على الإماتة..
أقول:
وأما قوله تعالى: {الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}؛ فإن {وُكِّلَ} فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله.. وهو الله، أي: إن الله وكله بقبض الأرواح.. فهل أخبر الله هذا المشغب أنه وكل أوثانه بقضاء الحوائج؟!! سبحانك، هذا بهتان عظيم..
وأما استدلاله بقول الله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ.. }. (الأحزاب:37).
فقد أنعم الله عليه بالإسلام -وهو زيد بن حارثة الذي أعتقه وتبنَّاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم- وأنعم عليه بالعتق..
والإنعام من الله شيء، ومن الخلق شيء آخر.. وهو كالعطاء، فالله يعطي ويمنع، ومن أسمائه المعطي، المانع.. والعبد كذلك قد يعطي ويمنع، وليس العطاء كالعطاء، ولا المنع كالمنع.. بل كل بحسبه..
وأما تشغيبه بقول الصحابي للنبي صلى الله عليه وسلم: (أسألك مرافقتك في الجنة)؛ فمن أشد تشغيباته في هذا الموضوع.. إذ ظاهره أن الرجل سأل النبي أن يدخله الجنة.. وهذا تدليس واضح، إذ أن الرجل سأله صلى الله عليه وسلم مرافقته في الجنة بالعمل الصالح الذي يؤدي إلى هذا الخير، فالمعنى: أسألك مرافقتك في الجنة بإرشادي إلى أسباب ذلك، أو بالدعاء لي، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يملك ذلك إلا بإرشاد الشخص إلى الأعمال الصالحة الموجبة للجنة أو بدعاء الله له، وهذا ما حصل منه عليه الصلاة والسلام، فإنه دله على سبب موجب لمرافقته في الجنة.
ولقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس بأن أمور العباد وحاجاتهم إنما هي بيد ربهم، فقال: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ} (الأعراف: 188). {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} (الجن: 21). فهو عليه الصلاة والسلام لا يملك ضر أحدٍ ولا رشده ولا هدايته، وقال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} (القصص: 56). وقال: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} (البقرة: 272).
فالمعنى: أسألك أن ترشدني إلى الأسباب التي تجعلني رفيقاً لك في الجنة؛ ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أعنى على نفسك بكثرة السجود) يعني بكثرة الصلوات التي تجعله أهلاً لأن يكون رفيقاً له في الجنة، وليس في هذا حجة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يملك إدخال أحد الجنة أو منعه من ذلك.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} قَالَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ – أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا – اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَاف؛ٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِب؛ِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ؛ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ؛ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا". رواه البخاري (2753) ومسلم (206).
***************
والخطاب القرآني صرح بهذا فقال: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} (القصص: 56). ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على هداية عمه أبي طالب حين مرضه، ودعاه إلى أن يقول لا إله إلا الله فأبى أبو طالب ومات على دين قومه، ولم يستطع هدايته.
ثم قال:
وقول عمرو بن العاص رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: (أشترط أن تَغْفِرَ لِي ما أوضعت عن صد عن سبيل الله) رواه أحمد.. وطلبه هنا أن يغفر له النبي صلى الله عليه وسلم.. أهذا شرك؟؟.. طبعا لا..
أقول:
هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده بالتاء أي أنت (تَغْفِرَ لِي) ورواه الإمام مسلم في بَاب كَوْنِ الْإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ بلفظ: (أن يُغْفَرَ لِي) بصيغة البناء لما لم يسم فاعله.. ولا شك أن رواية مسلم أوثق من رواية أحمد، ومع اختلاف الروايتين؛ فلا منافاة بينهما.. إذ لا مانع من طلب المغفرة من الخالق ومن المخلوق، ولكن كل بحسبه كما أسلفت.
ومما ورد في نسبة المغفرة المخلوق قوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (الجاثية: 14).
والمعنى: قل -أيها الرسول- للذين صدَّقوا بالله واتَّبَعوا رسله يعفوا، ويتجاوزوا عن الذين لا يرجون ثواب الله، ولا يخافون بأسه إذا هم نالوا الذين آمنوا بالأذى والمكروه؛ ليجزي الله هؤلاء المشركين بما كانوا يكسبون في الدنيا من الآثام وإيذاء المؤمنين.
وليت شعري، أي محبة وأي تعظيم لله في قلوب الصوفية وهم يصرفون الناس عن التعلق بالله إلى التعلق بالمخلوق.. وقد ورد عن عبدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
أما هؤلاء فإنهم يعلقون أتباعهم بالمخلوقين..
يقول البصيري في بردته:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ¤ سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ¤ إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإنّ من جودك الدّنيا وضرّتها ¤ ومن علومك علم اللّوح والقلم
ويقول:
إن لم يكن في معادي آخذا بيدي ¤ فضلا، وإلّا فقل يا زلّة القدم
ولعمرو الله هل يجتمع في قلب عبد مؤمن التصديق بهذه الأبيات، والتصديق بقول الله تعالى: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ} (الإنفطار: 19)؟!!.
وما أعظم يوم الحساب، وما أعظم ذلك اليوم الذي لا يقدر فيه أحد على نفع أحد، والأمر في ذلك اليوم لله وحده الذي لا يغلبه غالب، ولا يقهره قاهر، ولا ينازعه أحد.
نسأل الله السلامة من الشرك وأهله، ونسأله سبحانه أن يثبت قلوبنا على التوحيد الخالص، فلا يقدر على ذلك إلا هو.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.