كشفت معطيات إحصائية صادرة عن منظمة التضامن الجامعي المغربي عن صورة مقلقة لوضعية النزاعات المرتبطة بالفضاء التربوي العمومي. لا تعكس هذه الأرقام والمؤشرات حجم القضايا فحسب، بل تُبرز أيضا تحولات عميقة في طبيعة الصراع داخل المدرسة، وانتقاله من خلافات مهنية وتربوية إلى وقائع ذات طابع جنائي وإداري. وبحسب وثيقة "المرشد التضامني" الصادرة عن التضامن الجامعي المغربي، والتي حصل موقع "لكم" على نسخة منها، تظهر الوثائق والبيانات الإحصائية أن الأطر التربوية تتصدر قائمة أطراف النزاع. حيث يشكل أساتذة التعليم الابتدائي النسبة الأكبر من الملفات المعروضة، تليهم فئات التعليم الإعدادي ثم الثانوي، مع حضور ملحوظ للإدارة التربوية ممثلة في مديري المؤسسات.
ويعكس هذا التوزيع – بحسب الوثيقة – تحول المدرس والإدارة معا إلى أطراف مباشرة في النزاع، بدلا من أن يظلا عنصري ضبط ووساطة، ما يطرح تساؤلات جدية حول موقع الفاعل التربوي داخل المنظومة التعليمية. وعلى مستوى طبيعة القضايا، تسجل ملفات السب والشتم والقذف والتهديد النسبة الأعلى، إذ تمثل ما يقارب نصف القضايا المعروضة. تليها قضايا أكثر خطورة، من بينها تهم العنف ضد قاصرين، والضرب والجرح، والتحرش الجنسي، إضافة إلى التشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ويعكس هذا المعطى انتقال النزاع من الفضاء المدرسي المغلق إلى الفضاء الرقمي المفتوح، حيث تتضاعف الأضرار النفسية والمهنية، ويصعب ضبط الانفلات. ولا تقتصر القضايا المعروضة على الجانب الزجري أو السلوكي، بل تمتد إلى نزاعات ذات طابع إداري ومؤسساتي، من قبيل الطعن في قرارات الترقية، أو الاقتطاع من الأجور، أو المطالبة بالتعويض عن أضرار ناجمة عن قرارات نقل أو تدبير إداري. وهو ما يكشف أن جزءا من الصراع داخل المدرسة مرتبط باختلالات الحكامة وتدبير الموارد البشرية، وليس فقط بسلوك الأفراد. أما من حيث التوزيع المجالي، فتظهر الوثائق تمركزا واضحا للقضايا في الوسط الحضري، الذي يستأثر بأكثر من أربعة أخماس الملفات، مقابل نسبة محدودة في المجال القروي. ويُفهم من هذا التفاوت أن المدرسة الحضرية أصبحت أكثر عرضة للتوتر، بفعل الاكتظاظ، وضغط الأسر، وتسارع الإيقاع الاجتماعي، وتنامي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تأجيج النزاعات. وتبرز المعطيات المنشورة تنوعا في أصناف القضايا المعروضة، بين قضايا عادية، وقضايا إدارية، ونزاعات تعليمية، إضافة إلى ملفات سُجلت خارج فترة الانخراط القانوني. ويطرح هذا المعطى إشكال الحماية القانونية للأطر التربوية، وحدود مواكبتها في لحظات النزاع، خصوصا عندما تجد نفسها خارج الإطار المؤسساتي الضامن. وبحسب مراقبين للشأن التربوي تحدثوا لموقع "لكم"، لا تعكس هذه الأرقام مجرد حالات فردية معزولة، بل تشير إلى اختلال بنيوي في منظومة الوقاية والتأطير داخل المدرسة العمومية. إذ إن غياب آليات الوساطة المدرسية، وضعف الدعم النفسي والقانوني، وتأخر التدخل الوقائي، كلها عوامل تساهم في تحويل الخلافات التربوية إلى ملفات قضائية. وهو ما يفرض اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إعادة التفكير في موقع المدرسة كفضاء آمن، وفي وضعية المدرس كفاعل يستحق الحماية والدعم، قبل أن تتحول هذه النزاعات من استثناءات ظرفية إلى ظاهرة بنيوية مقلقة.