عندما يكون هناك "فراغ هائل" في الساحة—فراغ ناتج عن تجريف العمل الحزبي، والأعطاب الذاتية لأحزاب سياسية "مترهلة" وغير قادرة على إدارة ملفات معقدة (مثل الصحراء أو الاستثمارات الكبرى)، وتدجين النقابات، وإضعاف الوساطات التقليدية—فإن المؤسسة الوحيدة المنظمة، التي تملك المعلومة والمال والقوة والدعم الملكي والاتصال الدولي، هي التي تملأ هذا الفراغ تلقائياً، لأنه بكل بساطة البديل السياسي غير موجود أو غير موثوق. هذا الواقع يضعنا ربما، أمام جدلية "الدجاجة والبيضة" في السياسة المغربية: هل جففت الأجهزة منابع السياسة لتملأ الفراغ، أم أنها ملأت الفراغ لأن السياسة جفت منابعها ذاتياً؟ بصرف النظر عن هذه المعطلة، يبدو أن الاختيار وقع في الأخير على "النجاعة" عوض"المشاركة". ولتحقيق الاولى، كان لابد من "إبعاد" الضجيج السياسي لكي تشتغل "الخوارزمية الأمنية" في بيئة هادئة ومعقمة، وبمنطق "غرفة العمليات"، لا مجال فيه للصراع الأيديولوجي، بل كفضاء ل "إدارة تقنية للمخاطر"، حيث اُسْتُبْدِل "المناضل" ب "الخبير"، و"الخطاب الايديولوجي " ب "التقرير الأمني"، مادامت الاجهزة الامنية هي الوحيدة التي تملك "أدوات القياس" والبيانات الضخمة (Big Data)، ناهيك عن نمط الحكم الذي توخى التفويض الواسع للسلطات، إننا إزاء تعريف جديد للسياسة في المغرب. وحتى لو جادلنا في وجود الفراغ من عدمه، فلا بأس، لدى الجناح الامني من صنعه، لكونه يشكل "مساحة عازلة" تحمي نواة الدولة من الصدمات، لأن الديناميكية السياسية قد تؤدي إلى نتائج غير متوقعة (كما حدث في رياح الربيع العربي). لذا، كان تجفيف المنابع، من وجهة نظر الجناح الامني، هو وسيلة ل "الهندسة القَبْلية" للمشهد العام. بدلاً من مواجهة أزمات سياسية كبرى، يتم "تفكيك" المشاكل إلى أجزاء صغيرة وممارسة قمع موزع وانتقائي، ليسهل احتواؤها قبل أن تكبر، وهو بالمناسبة بروتوكول مجرب وناجح لحدود الساعة. ولأن الفراغ في الساحة السياسية ليس ناتجاً فقط عن التهميش، بل عن "الاستقطاب"، لأن الجناح الأمني (بإمكانياته الضخمة) نجح في جذب الكفاءات التقنية والقانونية والإدارية لتعمل تحت مظلته. هذا يجعل "خزان الكفاءات" محصوراً داخل المؤسسة الأمنية، مما يضمن أن أي عملية استبدال قادمة ستتم من داخل هذا الخزان حصراً. هذا "الاستبدال الذاتي" ليس مجرد اختيار، بل هو "قدر هيكلي" تفرضه موازين القوى الراهنة، يصبح استبدال "أمني بأمني" أو "تكنوقراط بأمني" هو الحل الوحيد المضمون للحفاظ على استمرارية الدولة، كما أن الجناح الامني باعتباره " مؤسسة السر" لا يمكنها أن تعيش في ساحة سياسية تعج بالنشاط والنقد والمحاسبة. الفراغ هو "المختبر الهادئ" الذي يسمح للأجهزة بتطوير خوارزمياتها وتحديث نفسها دون تشويش. وما دام هذا الفراغ قائماً، ستظل الأجهزة هي "اللاعب والحكم والمدرب"، تعيد ترتيب كراسيها داخلياً كلما دعت الضرورة، مرسخة "التربيع الأمني" (Quadrillage policier) بقوة. والنتيجة، هي أن المغرب يعيش حالة "ستاتيكو" (Status Quo) أمني متطور، وهو ما يمكن تسميته ب "التناسل الذاتي للمؤسسة الأمنية"، الجهاز نفسه (بأجنحته الأخرى) هو من يقوم بعملية "الجراحة الداخلية". يتم الاستبدال من الداخل لضمان بقاء "المؤسسة" وحماية "السر"، مع التخلص من "الفرد" الذي أصبح عبئاً. يمتلك الجهاز الامني دائماً "صفاً ثانياً وثالثاً" من التكنوقراط الأمنيين الشباب، المشبعين بنفس العقيدة، ولكن بأدوات تقنية أحدث. عندما يحين وقت التغيير، لا يتم استيراد وجوه من "السياسة" أو "المجتمع المدني"، بل يتم تصعيد "نسخة محدثة" من داخل المختبر الأمني نفسه. هكذا، يظل الجهاز هو الطرف الوحيد الذي يحدد متى وكيف ومن يستلم المشعل، في حلقة مفرغة تجعل "الأمننة" تُجدد نفسها تلقائياً. "نظام مناعة" لا يسمح لأي جسم غريب باختراقه، ولكنه في نفس الوقت يمتلك القدرة على "تدمير خلاياه" التي شاخت أو تمردت، ليعوضها بخلايا أكثر شباباً وقدرة على حماية "مؤسسة السر". تقايض الأجهزة الامنية مع الخارج "أسرار الإرهاب والهجرة" بمواقف سياسية، يُستخدم السر مع الداخل لتعطيل السياسة؛ فبما أن "الملف سري وسيادي"، فلا يحق للأحزاب أو البرلمان التدخل فيه، لكن يظل أكبر تهديد يواجه هذه الهيكلة هو"انفجار" هذا السر (بسبب التكنولوجيا أو التسريبات الدولية)، لذلك يظل التحدي الكبير المطروح على "مؤسسة السر" في المغرب هو قدرتها على ابتلاع حتى التسريبات وتحويلها إلى جزء من الغموض. لكن، وبالتوازي مع هذا الصعود الاستراتيجي، يبرز وجه آخر ل "الأمننة الشاملة" الذي يثير تساؤلات قلقة حول مستقبل السياسة في المغرب. فالعقل الأمني، الذي يبرع في "الضبط" و"الاحتواء"، يفتقر بطبيعته إلى "عضلة التفاوض" السياسية، كما ان تعاطيه مع ملف الصحراء مثلا، يتم من لدن الجناح الأمني ك "مهندس الدبلوماسية" له كلفة داخلية؛ حيث يتم استغلال "قدسية الملف" لتبرير مزيد من الرقابة وتهميش النقاش الديمقراطي، ليصبح أي صوت معارض للنهج الأمني وكأنه يغرد خارج الإجماع الوطني. هذا "الملأ الإجباري للفراغ"، كما تقدمه الأجهزة الأمنية، لم يأت نتيجة اقتحامها المشهد فجأة، بل ترى أنها وجدت نفسها في وضعية "الوكيل الوحيد"، وأنها نتيجة موضوعية لبنية نظام وليست مجرد رغبة شخصية في التسلط، كما قد يدفع العقل الامني بأن عملية التجفيف هي وظيفية، وليست مجرد نزوة سلطوية، لأن منطقها يؤمن بأن "السياسة التقليدية" في المغرب أصبحت تشكل خطراً على "أمن الدولة". وبذلك، تحول الأمن من "حارس للمدينة" إلى "عمدة للمدينة" و"مهندس لشوارعها". لكنه مَلْأٌ يخلق مشكلتين على المدى البعيد: تصبح الأجهزة الامنية، أولا، هي "الواجهة" والخصم في آن واحد، ثم إن الدولة، ثانيا، تفقد "مجساتها الاجتماعية" الحقيقية؛ فالأحزاب (رغم ضعفها) كانت تعمل كصمامات أمان، وبدونها يصبح الصدام بين "الجهاز" و"الشارع" مباشراً وعنيفاً. يقف المغرب اليوم على حبل مشدود بين ضرورتين: ضرورة "الدولة القوية" التي تحمي حدودها بذكاء سيبراني وندية دبلوماسية، وضرورة "الدولة السياسية" التي تحتاج إلى مؤسسات مدنية حية تضمن الاستقرار المجتمعي على المدى البعيد. إن الرهان على "الخوارزمية الأمنية" كضمانة وحيدة للاستمرار قد يكسب المعارك الاستراتيجية، لكن بناء الأمة يتطلب ما هو أبعد من ذلك؛ يتطلب موازنة "درع الأمن" ب "روح السياسة"، لكيلا يتحول الاستقرار الصلب إلى جمود يقتل حيوية المجتمع، إن "الأمننة الشاملة" كخيار وحيد للبقاء، يجعل من "الخوارزمية" بديلاً عن "العقد الاجتماعي"، متناسياً أن الإرهاب لا يُهزم فقط باليقظة الاستخباراتية، بل بتحصين المجتمع ديمقراطياً وتنموياً. إن الدولة التي تراهن على السيبرانية وندية الأجهزة الامنية لتأمين حدودها، قد تجد نفسها أمام مجتمع "منضبط" لكنه غير "منخرط"، وشارع "محكوم" لكنه غير "مقتنع"، إن حماية الوحدة الترابية ومكافحة الإرهاب هما مبرران شرعيان لقوة الأجهزة، لكنهما ليس "شيكاً على بياض" لإلغاء السياسة. فالاستقرار الحقيقي هو الذي يزاوج بين "درع الأمن" و"روح الديمقراطية"، إن الرهان على "الخوارزمية" لتأمين الصحراء والحدود قد ينجح في كسب المعارك، لكنه قد يخسر "المجتمع" إذا لم يجد هذا الأخير مكانه في "مؤسسة السر" التي تدير مستقبله، ربما الربط بين "السيادة" و"الأمننة" يفسر لماذا يتقبل قطاع واسع من المغاربة قوة الأجهزة الأمنية رغم تكلفتها السياسية، هل يمكن إعادة بناء السياسة من خارج الأجهزة؟ هل المجتمع المدني قادر على استعادة دوره؟ هل الدولة هي التي تملك الأجهزة، أم أن الأجهزة هي التي أصبحت تتماهى مع الدولة لدرجة أنها لم تعد تسمح بأي بديل خارج رحمها؟