ثمة حاجة إلى الإقرار بأن التباين الذي كان بين وجهات النظر التي تتعاطى مع الملف قبل الأزمة السورية، كانت معظمها نظرية، إذ لم يكن هناك من مؤشر كاف يمكن أن يتم به تغليب الحجج التي كان يتم الدفع بها على الأقل من قبل وجهتي نظر مختلفتين تماما، الأولى تتردد في تسوية هذا الملف رغم إقرارها بوجود مظلومية في بعض أجزاء هذا الملف، والثانية تدفع في اتجاه إقامة فروق موضوعية بين المعتقلين على خلفية السلفية الجهادية، واعتماد المقاربة التصالحية على الأقل مع الصنف الذي نبذ العنف وأعلن من خلال مراجعاته استعداده للاندماج في المجتمع والعمل ضمن مؤسسات الدولة القائمة. اليوم، وبعد حديث التقارير الأمنية عن ثبوت معطيات تفيد بأن بعض المعتقلين السلفيين المفرج عنهم التحقوا للجهاد في سوريا، يمكن القول بأن مساحة الجدل والتباين بين وجهتي النظر السابقتين، ستأخذ أبعادا أخرى، ليس بالضرورة في اتجاه تغليب الهواجس الأمنية وتبرير مزيد من التردد في تسوية الملف السياسي، ولكن في اتجاه نقاش أعمق يحاول أن يقترب من معضلة العود ويبحث عن معالجة عميقة لها، بدل استثمارها لمنع أي تسوية سياسية لملف السلفية في السجون. ينبغي الإقرار بكل جرأة، ومن زاوية المصلحة الوطنية، أن هذا الوضع أصبح اليوم يشكل معضلة حقيقية، لا بد من معالجتها بهدوء تام وببعد نظر، ذلك أن الاعتبارات الأمنية، مهما كانت لها حجيتها، إلا أنها تبقى محدودة في المدى القريب أو المتوسط، لأنه ببساطة سيأتي اليوم الذي تنتهي مدد العقوبة لهؤلاء المعتقلين لاسيما بالنسبة للمحكومين بغير المؤبد، وتطرح من جديد مشكلة العود، وبمخاطر أكبر، أي أن المقاربة التي تدفع بالهواجس الأمنية ستجد نفسها في نهاية المطاف في مواجهة تحديات التأطير الديني والإدماج المجتمع والسياسي، وأنها في أحسن أحوالها لن تقوم بأكثر من تأجيل الملف لبعض الوقت. بناء على هذا التقدير، فالرأي أن الجواب عن معضلة العود لا يمكن أن يكون بسياسية التردد وتأجيل الملف، لأن مشكل الاستقطاب والتجنيد للجهاد في ظل التوترات الإقليمية سيتجدد ويمكن أن يتسع ويتمدد بوجود موجباته وتعذر معيقاته، اي أنه في ظل عدم وجود سياسة للتأطير الديني والإدماج المجتمعي والسياسي والتركيز الأمني التي تستهدف بالخصوص هذه المجموعات، فإن المشكل سيبقى مطروحا باستمرار. معنى ذلك، أنه مهما تنامت الأرقام المتعلقة بالتحاق عدد من السلفيين المفرج عنهم للجهاد في سوريا، فإن المقاربة التصالحية لن تسنفذ أغراضها، بل بالعكس تماما، فهذا المعطى الجديد المتعلق بإشكالية العود يبرر تقوية هذه المقاربة وإعطاءها مضمونا أقوى، وذلك بمواكبتها بسياسة مندمجة تستهدف هذه المجموعات وغيرها، تجمع بين الاستيعاب الديني على قاعدة تنمية ثقافة الوسطية والاعتدال، والإدماج الاجتماعي بتعزيز السياسات التي تستهدف القضاء على جميع أشكال الهشاشة، والإدماج السياسي بدعوة الأحزاب السياسية جميعا إلى تحمل مسؤولياتها في تأطير جزء من المكونات السلفية، ولم لا فتح المجال لحزب سياسي بخلفية سلفية، ما دامت الشواهد السياسية في التجارب العربية تفيد بتأقلم هذه المكونات مع البيئة السياسية وتكيفها مع قواعد العملية السياسية، هذا ودون أن يتم إغفال سياسة التركيز الأمني الاحتياطي واليقظة اللازمة لمنع أي انحراف لمخرجات المقاربة التصالحية عن أهدافها. إنه لمعيب جدا، أن تظل المؤسسات الدينية الرسمية صامتة طوال هذا الوقت مدبرة عن إنتاج أي دينامية دينية في جميع المساجد المغربية لبيان الجواب الديني عن ما يسمى ب"الجهاد في سوريا" وإبطال مفعول غسيل الدماغ التي تقوم به العديد من الشبكات البشرية والإلكترونية، ولا تتحرك لملأ هذا الفراغ سوى مواقف لحركات إسلامية أو شخصيات دعوية، كما ولو كان المدخل الوحيد لتدبير هذا الملف هو أمني بامتياز. بكلمة، إنه من الطبيعي جدا، في غياب المداخل الأخرى، أن تقوم المقاربة الأمنية بدورها، وأن يظهر جوابها كما ولو كان الجواب الأقوى، لأمر بسيط، لأن مهمة المسؤول عن الأمن لا تنتظر أجوبة الآخرين، لأنها معنية بمعالجة المشكلة في حينها، اي في اللحظة التي يتوقع حدوثها، لا في اللحظة التي يتم فيها انتظار ما يقوم به الآخرون. ولذلك، فالمشكلة اليوم توجد في منطقة أخرى بعيدا عن الأجهزة الأمنية، أي أنها توجد في المكان الذي يفترض أن تخرج منه المداخل الأخرى المعنية بالاستيعاب الديني والإدماج الاجتماعي والسياسي.