في زمن الالتباس السياسي، حيث تختلط الشعارات التحررية بخطابات الاصطفاف الدولي، يطفو اسم أحمد عصيد بوصفه أحد أكثر الأصوات إثارة للجدل داخل المشهد المغربي. غير أن قراءة موقعه اليوم، من منظور تحرري يحيلنا مباشرة إلى تجربة ومدرسة التحرر التي أسس مرجعيتها عبد الكريم الخطابي، تكشف مفارقة عميقة بين خطاب يدعي الحداثة والكونية، وممارسة تصطف عمليا ضمن هندسة الهيمنة ذاتها التي قاومها الخطابي قبل قرن. عبد الكريم الخطابي لم يكن مجرد قائد مقاومة محلية، بل كان صاحب رؤية تحررية عابرة للحدود. حين واجه الاستعمار الإسباني والفرنسي، لم يميز بين استعمار "تقدمي" وآخر "رجعي"، ولم يبرر الهيمنة باسم التحديث أو حقوق الأقليات. كان معياره بسيطا وحاسما: سيادة الشعوب فوق كل اعتبار. في هذا المنظور، لا يمكن الحديث عن تحرر حقيقي مع تبرير احتلال، ولا عن كونية إنسانية مع التغاضي عن منظومات القصف والحصار والعقوبات التي تخنق الشعوب. أحمد عصيد قدم نفسه طويلا كصوت نقدي في مواجهة المحافظة الدينية والبنية التقليدية للمجتمع. غير أن تحول خطابه في السنوات الأخيرة يكشف انزياحا نحو تبني سرديات تتقاطع بوضوح مع السياسات الأمريكية في المنطقة، ومع الخطاب الإسرائيلي الذي يبرر نفسه تحت عنوان "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط". عندما يعاد تعريف الصراع في فلسطين باعتباره مجرد صراع ديني أو صراع مع "التطرف"، ويتم تغييب بعده الاستعماري الاستيطاني، فإننا نكون أمام إعادة إنتاج للخطاب المهيمن، لا أمام قراءة نقدية مستقلة. وحين تقدّم السياسات الأمريكية في المنطقة باعتبارها ضامنة للحداثة والاستقرار، مع التغاضي عن تاريخها في الانقلابات والعقوبات والحروب، فإن ذلك يتناقض جذريا مع أي تصور تحرري أصيل. المسألة هنا ليست دفاعا عن النظام الإيراني، بل دفاعا عن مبدأ السيادة. فالولايات المتحدة، التي تعادي إيران وتفرض عليها عقوبات خانقة وتلوح دوما بخيار الحرب، لا تفعل ذلك بدافع الحرص على الديمقراطية، بل في سياق صراع جيوسياسي على النفوذ والطاقة والأمن الإقليمي. من منظور الخطابي، لا يمكن الاصطفاف مع قوة عظمى تمارس العقوبات والحصار وتدعم الاحتلال في فلسطين، ثم الادعاء بأن ذلك جزء من معركة الحداثة. التحرر لا يبنى على ظهر الأساطيل، ولا تصان كرامة الشعوب تحت مظلة القواعد العسكرية. وصف "براح المخزن عالي التخصيب" ليس شتيمة، بل توصيف سياسي. فالبراح في الثقافة المغربية هو من يروج ما يطلب منه من أعلى السلطة. وبالتالي يبقى دوره هو إيصاله بمساحيق للعموم لما يراد أن يسمع في الساحة. وعندما يتحول المثقف إلى مروج لسرديات تتقاطع مع خيارات الدولة الاستراتيجية – من التطبيع مع إسرائيل إلى التموضع داخل الفلك الأمريكي – فإنه يغادر موقع النقد الجذري إلى موقع التكييف الإيديولوجي. التخصيب هنا استعارة مزدوجة: تخصيب الخطاب بشحنة "حداثية" تضفي عليه بريقا فكريا، وتخصيب الفضاء العمومي بجدل يبعد الأنظار عن سؤال السيادة والاستقلال الحقيقيين. يصبح الصراع مع "الظلامية" أولوية مطلقة، حتى لو تم ذلك تحت سقف تحالفات دولية تعيد إنتاج التبعية. الحداثة التي لا تمر عبر الاستقلال الوطني تتحول إلى قشرة. والتحرر الذي يختزل في مواجهة تيار داخلي، مع تجاهل بنية الهيمنة العالمية، يفقد جوهره. عبد الكريم الخطابي لم يكن تقليديا ولا منغلقا، لكنه كان واضحا في أن أي مشروع نهضوي يبدأ بفك الارتباط مع الاستعمار، لا بالارتهان له. السؤال إذن ليس شخصيا، بل مبدئي: هل يمكن لمثقف يدعي التحرر أن يصطف – ولو خطابيا – مع قوى تمارس الاحتلال والعقوبات والحروب؟ وهل يمكن أن ننتقي من التحرر ما يناسب معاركنا الداخلية، ونتجاهل ما يمس كرامة شعوب أخرى؟ من منظور الخطابي التحرري، الإجابة واضحة: السيادة لا تتجزأ، والاصطفاف مع الهيمنة – مهما تجمل بشعارات الحداثة – يبقى خروجاةعن جوهر التحرر. لاهاي، 3 مارس 2026