لن يعود الشرق الأوسط كما كان قبل 28 فبراير. إيران تقاتل بشجاعة وذكاء ضد المعتدين، باسم جميع الدول التي تدافع عن سيادتها، وعن العدالة، وعن حرية اختيار أنظمتها السياسية والاقتصادية، وعن حرية التصرف في مواردها الطبيعية، وعن علاقات تجارية عادلة، وأخيراً، عن أولوية القانون الدولي ومساواة جميع الدول أمام هذا القانون. هذه هي الخطوط العريضة للنظام العالمي الجديد الذي لا بدّ أن يتأسس بعد الحرب. تحتل إيران موقعًا استراتيجيًا في غرب آسيا. لم تعترف الإمبريالية الأمريكية قط بانتصار الثورة الشعبية الإسلامية عام 1979 المستلهمة من حركة النهضة (1) والقائمة على التعليم والمعرفة. كان أول عمل قام به الخميني هو استقبال ياسر عرفات استقبالاً حافلاً في طهران وتسليمه مفاتيح السفارة الإسرائيلية، التي أهداها لاحقاً إلى فلسطين. وقد أدت سياسته الداعمة لحركات التحرر ونضاله ضد الإمبريالية الأمريكية والصهيونية إلى فرض سلسلة من العقوبات على الثورة الإيرانية الوليدة، والتي لا تزال تُلحق الضرر باقتصادها حتى اليوم، فضلاً عن حربٍ ضروسٍ استمرت ثماني سنوات منذ عام 1980 أشعلها صدام حسين بدعمٍ من الدول العربية ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومحاولاتٍ عديدةٍ لاختراق البلاد من قِبل "معارضين" مرتبطين بالموساد، والذين كانوا يندمجون باستمرار في حركات المعارضة، واغتيالاتٍ طالت قادتها وعلماءها، وغير ذلك. منذ وصوله إلى السلطة قبل نحو ثلاثين عامًا، جعل نتنياهو تدمير النظام الإيراني واستبداله بدولة تابعة له أولويته القصوى. بدأ ما أسماه المحافظون الجدد "القرن الأمريكي الجديد" (2) في عام 2001 مع هجمات 11 سبتمبر. يذكر الجنرال ويسلي كلارك، الذي كان حاضرًا خلف الكواليس في الاجتماعات السياسية والعسكرية التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، أن سبع دول عربية وإسلامية كان من المقرر تدميرها في غضون خمس سنوات، وفقًا للمحافظين الجدد (3). وكانت إيران من بين تلك الدول. ثمّ أاستعملت الولاياتالمتحدة القوة العسكرية الوحشية الخارجة عن القانون – تحت ستار جلب "الديمقراطية" – مباشرةً ضد العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا، وبالوكالة على السودان والصومال، مما تسبب في مقتل مئات الآلاف وترك بلدانها كلها دمار و خراب. في وقت مبكر من عام 2002، أعلِن عن تصنيف ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وأحد الموقعين على اتفاقيات أوسلو، إرهابياً وسُجن. ثم توفي مسموماً في نوفمبر2004. تعهد نتنياهو وشارون قبله بتدمير حل الدولتين. أما ترامب، بغروره المفرط وتعطشه للمال، وانتمائه للطائفة الصهيونية المسيحية، وتردده على جزيرة إبستين، عميل الموساد والمتحرش بالأطفال، فيُجسّد صورة الخادم المثالي لإسرائيل. لم تجد لجنة الشؤون العلمة الأمريكية الإسرائيلية AIPAC صعوبة في التلاعب به. سيفعل كل ما تطلبه منه ميريام أديلسون، مالكة كازينوهات لاس فيغاس، مقابل تمويل سخي لحملاته الانتخابية. كان نتنياهو ينتظر رئيسًا كهذا منذ زمن طويل. في ولايته الأولى، اعترف ترامب بضم إسرائيل للقدس الشرقية ونقل السفارة الأمريكية إليها. كما اعترف بضم مرتفعات الجولان السورية إلى إسرائيل. وأمر باغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، المسؤول بشكل خاص عن القضاء على تنظيم داعش في العراق وسوريا، وذلك خلال زيارة رسمية لبغداد. انسحب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران (خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA)، الذي اعتبره منحازًا جدًا لطهران. (5) وأخيراً، خلال ولايته الأولى، واصل عزل إيران في العالم العربي والعالم، من خلال التلويح بشبح القوة النووية الإيرانية وتصنيف إيران على أنها العدو الأول للدول العربية. كما اجتهد من أجل إقناع الدول العربية أن على إسرائيل حمايتهم بموجب "اتفاقيات أبراهام". وبذلك يتحول " الأرض مقابل السلام " إلى "السلام مقابل الأمن"! وقد تمت صياغة اتفاقيات أبراهام خصيصًا لتمكين إسرائيل من التغلغل في مراكز صنع القرار في الدول العربية الموقعة، وإنشاء جماعات ضغط لها هناك، وإقامة مصانع أسلحتها، ومن ثم السيطرة على هذه الدول ومواردها. لكن في يوم 7 أكتوبر 2023، جاء شريط "طوفان الأقصى" وغير كل شيء، مذكراً العالم بأن الفلسطينيين ما زالوا في ساحة المعركة وليس لديهم أي نية لوقف القتال. لقد قاومت غزة ولا تزال تقاوم منذ عامين ونصف، والإبادة الجماعية مستمرة، ولم يحقق نتنياهو شيئاً من خلال الإرهاب ضد المدنيين: لا رهائن أطلق سراحهم من طرف جنوده، ولا نزع سلاح للمقاومة، ولا نقل للسكان من غزة. يسعى نتانياهو إلى ضم هذه الأراضي عبر الإبادة الجماعية والتدمير الشامل لكل ما يُشكّل عناصر الحياة. بحلول نهاية عام 2024 سيجد نتنياهو نفسه في مأزق. من السهل فهم سبب اعتبار وصول ترامب في يناير2025 لولاية ثانية بمثابة طوق نجاة له و"فرصة تاريخية" (6)، على حد تعبيره، لشنّ عدوان على إيران، آخر معاقل المقاومة ضد "إسرائيل الكبرى". وسيعاد استخدام نفس الخدعة: يعلن ترامب بدء المفاوضات مع إيران، وفي اليوم التالي يرسل قاذفاته المحملة بالقنابل. استمر الهجوم الأول 12 يومًا في يونيو 2025، وتلاه هجوم ثانٍ في 28 فبراير، بنفس السيناريو. هذه المرة، وفي الساعة الأولى، سُحقت 168 فتاة من مدرسة ابتدائية، كنّ قد وصلن للتو إلى المدرسة، جراء قصفها، رغم أن ترامب كان قد أعلن في اليوم السابق نيته "تحرير" الإيرانيين! أعلنتإيرانجليًاأنالحربهذهالمرةلنتنتهيإلابقرارها،وبعدأنيُردعالمعتدونعليهاعنتكرارها. ومن أهم الدروس المستفادة أن الهيمنة العسكرية لم تعد تُمكّن الولاياتالمتحدة من فرض قواعدها على العالم. أما إسرائيل، فبدون دعم عسكري أمريكي غير محدود، لا يمكنها خوض حرب تفقد فيها سيطرتها على المجال الجوي الإيراني، وتستهدف فيها إيران إسرائيل وتحقق أهدافها داخل أراضيها. ورغم الخسائر البشرية والمادية الفادحة، فإن مقاومة إيران ومحور المقاومة (حزب الله، واليمن، والعراق) ستُجبر الولاياتالمتحدة على الانسحاب من الخليج، والتوقف عن دعمها غير المشروط لإسرائيل، الذي بات مكلفًا للغاية ويحظى بشعبية متدنية في الولاياتالمتحدة. ستنبثق فلسطين حرة من شرق أوسط متحرر من الهيمنة الصهيونية والأمريكية. 1) النهضة هي حركة إصلاحية رئيسية ظهرت في الشرق العربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهي تقوم على الاجتهاد والإنجازات العظيمة لحضارة الإسلام. دعا مفكرون كبار مثل جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وتلاميذهم، بمن فيهم شكيب أرسلان، ورشيد رضا، وطه حسين، إلى ضرورة وحدة المسلمين ومكافحة الاستبداد والتفاوتات الاجتماعية، التي رأوا أنها أسباب تخلف المسلمين مقارنة بالغرب. ودعوا إلى تطوير التعليم والمعرفة. كان علي شريعتي، الذي ألهم الثورة الإيرانية واغتاله الشاه عام 1977، تلميذاً لمفكري النهضة. 2) يُعدّ "مخطط القرن الأمريكي الجديد" PNAC النص التأسيسي لتيار المحافظين الجدد. وهو مزيج من النزعة العنصرية والفاشية، يُعلن عن هيمنة الولاياتالمتحدة على العالم ودعمها غير المشروط لإسرائيل. 3) انظر كتاب ويسلي كلارك: "العراق والإرهاب والإمبراطورية الأمريكية" (2003)، مترجم إلى الفرنسية (دار Seuil للنشر). 4) لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك): جماعة ضغط صهيونية في الولاياتالمتحدة، وهي دولة حقيقية داخل الدولة، تستعمل الرشوة من أجل شراء أصوات النواب وأعضاء مجلس الشيوخ، وكذلك جحم الرؤساء لإسرائيل، ولها سيطرة محكمة على السياسة الخارجية الأمريكية (انظر أعمال البروفيسور جون مايرشايمر John Maersheimer). رفض الرئيس جون كينيدي تسجيل هذه الجمعية كمنظمة أمريكية. وخلال فترة رئاسته، سُجّلت كمنظمة أجنبية، مما منعها من المشاركة في الشؤون الأمريكية وتمويل الانتخابات. وبعد اغتيال كينيدي وتولي جونسون الرئاسة، سُمح لها بالتسجيل كمنظمة أمريكية. 5) تم إبرام الاتفاق النووي بين إيران ودول مجموعة 5+1 (الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة: الولاياتالمتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا والصين بالإضافة إلى ألمانيا) وكذلك الاتحاد الأوروبي. 6) اعتقد ترامب أنه قادر على إيقاف أو إبطاء التراجع الحتمي لأمريكا بالسيطرة على إنتاج النفط والغاز في الشرق الأوسط، وبالتالي احتواء صعود الصين بالتحكم في إمداداتها من النفط والغاز. بدأ بعملية أشبه بعمليات العصابات في فنزويلا، ونجح في وقف شحنات النفط منها إلى الصين وكوبا، وكان يعتقد أنه قادر على تكرارها في إيران. إلا أن النتيجة كانت عكس ما كان يعتقد تماماً: لم يفشل فقط في عرقلة إمدادات النفط نحو الصين، بل اضطر أيضاً إلى رفع العقوبات المفروضة على البيع الحر للنفط الإيراني من أجل خفض الأسعار في السوق العالمية. بالإضافة إلى ذلك، تسيطر إيران الآن على جميع حركات المرور عبر مضيق هرمز وتفرض رسومًا على كل سفينة يُسمح لها بالمرور، مما يوفر لها إيرادات لا بأس بها. وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن احتياطيات الصين الحالية من المحروقات تُقدّر، وفقًا لخبراء، بملياري برميل من النفط الخام، وهو ما يكفي لمدة عام على الأقل. ولدى ترامب ما يبرر قلقه إزاء الحرب التي أشعلها: فتدفقات عائدات النفط إلى الولاياتالمتحدة في أدنى مستوياتها، بينما تُدفع ثمن المعاملات عبر مضيق هرمز باليوان، وفقًا لقرار إيران. الترجمة الغربية أحمد ابن الصديق