أمين أحرشيون يرى الكثير من المتابعين أن النظام الإيراني الحالي، الذي قام بعد الانقلاب على الملكية، يمر اليوم بمرحلة حاسمة تضع مشروعه بالكامل على المحك. لقد ارتبطت فترة المرشد الأعلى بسياسات توسعية تجاوزت حدود إيران، حيث امتد نفوذ النظام لدعم جهات ساهمت في زعزعة استقرار الدول، بدءاً من التحالف مع نظام بشار الأسد وصولاً إلى تمويل ميليشيات طائفية في مناطق مختلفة. ولم يتوقف الأمر عند الشرق الأوسط، بل وصل الطموح الإيراني إلى محاولة التغلغل في أقصى غرب إفريقيا عبر مشاريع التشييع السياسي ودعم جماعات مسلحة، وهي تحركات لم تكن تهدف لنشر قيم دينية بقدر ما كانت تسعى لخلق جيوب ولائية تخدم أجندة طهران وتستنزف موارد المنطقة. ومع تزايد الحديث عن مرحلة ما بعد المرشد، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كان رحيله سيمثل نهاية لهذا النفوذ أو بداية لصراع طائفي أشمل. الواقع يشير إلى أن غياب الشخصية المركزية في نظام "ولاية الفقيه" قد يؤدي أولاً إلى تصدع داخلي عميق بين أجنحة النظام نفسه، خاصة مع تزايد قوة الحرس الثوري ومعاناة الشارع الإيراني من أزمات اقتصادية خانقة بسبب كلفة الحروب الخارجية. إن انهيار هذه المرجعية الواحدة قد يضعف الميليشيات المنتشرة في المنطقة ويجعلها تفقد بوصلتها وتمويلها، مما يقلل من فرص اندلاع حرب طائفية عالمية، لأن القوى الإقليمية والدولية باتت تدرك أن الصراع في جوهره سياسي ومصلحي وليس ديناً خالصاً. في نهاية المطاف، يبقى التاريخ شاهداً على أن الأنظمة التي تقوم على التدخل في شؤون الجيران غالباً ما تنكفئ على نفسها عند غياب رموزها الأقوياء. إن نهاية حقبة المرشد قد لا تعني زوال طائفة دينية موجودة منذ قرون، بل قد تعني نهاية "المشروع التوسعي" الذي استغل الدين لتحقيق مكاسب سياسية. وبدلاً من انفجار صراع مباشر بين السنة والشيعة في كل مكان، من المرجح أن تشهد المرحلة القادمة تراجعاً للنفوذ الإيراني العابر للحدود، مما يفتح الباب أمام الدول لاستعادة سيادتها بعيداً عن التدخلات التي أرهقت الشعوب من دمشق إلى داكار.