صدرت الترجمة العربية لكتاب «المغرب المجهول الجزء الأول: اكتشاف الريف» لمؤلفه أوجست مولييراس سنة 2007، بتوقيع الدكتور عز الدين الخطابي، وذلك في ما مجموعه 222 صفحة من الحجم الكبير. ويعود تاريخ صدور النص الفرنسي الأصلي للكتاب إلى سنة 1895 بمدينة وهران، وذلك في سياق تبلور توجه عام لدى الدوائر الاستعمارية الفرنسية للمرحلة بضرورة تجنب أخطاء تجربة غزو ثم احتلال الجزائر الذي تجسد عمليا منذ سنة 1830. فقبل الانتقال إلى التحرك الميداني فوق المجال المراد غزوه، لا بد من تحقيق معرفة شاملة بمكونات هذا المجال المختلفة، سواء منها المرتبطة بالمعطيات الطبيعية أو الجغرافية أو التاريخية أو البشرية أو الدينية أو الإثنوغرافية أو السوسيولوجية…، اقتناعا من رموز «الحزب الاستعماري» الفرنسي بأهمية تمهيد مجال الغزو بمعرفة «علمية» وضعت أسس ما عرف تاريخيا بجهود «الاستكشاف العلمي» الفرنسي للمغرب. في إطار هذه الجهود، استطاع الفرنسيون خلق تيار «علمي» واسع أشرف على تأطير حقل «الدراسات المغربية» وبرزت فيه أسماء لها وزنها الكبير في التاريخ الكولونيالي بعموم بلاد المغرب العربي، وببلاد المغرب الأقصى بشكل خاص، من أمثال إدمون دوتي، ألفريد لوشاتليي، جورج سالمون، ميشوبلير… بل واستطاع أن يضع ركائز مؤسسات مختصة في البحث في تفاصيل الواقع المغربي وفي تركيب بناه التاريخية والحضارية، متدثرة غطاء نعوت مخادعة أهمها «العلمية» والدراسات «الموضوعية»… ولقد جسدت عدة مؤسسات فرنسية هذا التوجه، واضعة بذلك رصيد أعمالها كمادة استرشادية ضرورية للتفاعل الكولونيالي المسؤول عن تنظيم عمليات الغزو والاحتلال. ويمكن أن نذكر في هذا الإطار، التجارب الرائدة التي ارتبطت بعمل على سبيل المثال لا الحصر كل من «البعثة العلمية بالمغرب» التي رأت النور بمدينة طنجة سنة 1903، أو «الشعبة السوسيولوجية للشؤون الأهلية» بمدين سلا، أو «معهد الدراسات العليا المغربية » بمدينة الرباط. وإذا كان النقاش حول الطابع الوظيفي لعمل مثل هذه الإطارات قد أصبح متجاوزا، بالنظر لما ا ستطاعت المدرسة التاريخية الوطنية المعاصرة دحضه من افتراءات وتشويهات لا حصر لها طالت وقائع التاريخ والمجتمع المغربيين، بعد أن حنطتهما في إطار أحكام مستنسخة سريعة، فإنها في المقابل لازالت تحتل قيمة متميزة عند إعادة قراءة مضامينها بعيدا عن الرؤى المتشنجة للمرحلة التي أعقبت مباشرة حدث حصول المغرب على استقلاله السياسي. وترتبط هذه القيمة المعرفية بمستويات متعددة، أبرزها انفتاحها على مواد توثيقية «جديدة» وإثارتها لقضايا مركزية في البحث وفي السؤال، قضايا لم تكن لتثير لدى المؤرخ التقليدي أي اهتمام بحكم انتظامها خارج نسق أسس الكتابة التقليدية الكلاسيكية وارتباطها بمورثات ثقافة العامة الخاضعة لرؤى تبخيسية لدى النخب التقليدية. لذلك، وعلى الرغم من كل سقطات الكتابات التاريخية الكولونيالية، فإن إعادة الانفتاح عليها وقراءة مضامينها بشكل يتجاوز مواقفنا المسبقة تجاه الآخر الغازي، قد أصبحت من المهام الكبرى داخل حقل الكتابة التريخية الوطنية المعاصرة. ولعل هذا ما يتقاطع جليا مع ما أشار إليه عزالدين الخطابي في تقديمه للكتاب موضوع هذا التعليق، عندما قال: «… ورغم هذه المفارقات والإلتباسات التي وقفنا عليها، يظل هذا العمل في نظرنا، ذا أهمية كبيرة، لأنه سمح بالتعرف على نمط حياة الريفيين في مرحلة حرجة من تاريخ المغرب، أي أواخرالقرن 19. وثانيا، لأنه مكن من إبراز خصوصية العلاقة التي تربط أهالي الريف الأحرار بالآخر، سواء كان هذا الآخر هو المخزن، أو الغرب المستعمر (إسبانيا، إنجلترا، فرنسا، ألمانيا)، أو الجار نفسه (قبائل جبالة)….» (ص 13). تتوزع مضامين الترجمة العربية لكتاب «المغرب المجهول اكتشاف الريف» بين مضامين المتن الأصلي الذي وضعه مولييراس، إلى جانب المقدمة التمهيدية التي وضعها المترجم تحت عنوان «مفارقات الخطاب الإثنوغرافي». ويتوزع المتن الأصلي بين ثلاثة أقسام كبرى، ومجموعة من الفصول التجزيئية المتفرعة عن كل قسم على حدى. ففي القسم الأول المعنون ب«المغرب المجهول»، قدم مولييراس تأملات عامة حول المغرب، معرفا في ذلك بأقاليمه الكبرى، وباسمه الحقيقي، وبتوزيع الأعراق المتساكنة داخله والمتمثلة في الأمازيغ والعرب والزنوج واليهود، وبثرواته، وبتوزيع ساكنته، ثم بالأدوار المفترضة التي كان في رأيه على فرنسا الاضطلاع بها بمنطقة الشمال الغربي لإفريقيا. وفي القسم الثاني المعنون ب«المغرب المجهول: اكتشاف الريف»، اهتم المؤلف بتوضيح دلالات مصطلح «الريف»، وكذا كيفية تدوين الكلمات العربية والأمازيغية والنطق بها. أما القسم الثالث، فقد ورد تحت عنوان فرعي «اكتشاف الريف: قبائل الريف»، حيث نجد تجميعا تصنيفيا لمجموعة كبيرة من المعطيات الإحصائية والتوثيقية الخاصة بمجمل قبائل الريف، وذلك استنادا إلى مجموع الأخبار التي جمعها المؤلف من عند مخبره القبايلي محمد بن الطيب (الملقب بالدرويش)، وكذا من عند أهالي الريف الذين كان يلتقي بهم بمدينة وهران، مما يطرح أسئلة مركزية حول سقف توظيف هذه المعطيات، وحول الحدود العلمية التي تسمح باستغلالها كمواد مرجعية في الدراسات المونوغرافية أو القطاعية ذات الصلة بماضي منطقة الريف وبالتأويلات السوسيولوجية والإثنوغرافية التي يفرزها هذا النوع من التقصي ومن التنقيب. وقد ختم المؤلف عمله بكلمة توضيحية حول مصداقية العمل الذي أنجزه، إلى جانب تنويه رمزي بالدور الكبير الذي قام به مخبره «الدرويش» في مده بالمادة المصدرية التي شكلت المضمون الرئيسي لمتن الكتاب، إضافة إلى سلسلة من الخرائط التوضيحية للمجال الجغرافي للمنطقة التي كانت موضوع وصف وتقصي في الكتاب. وإذا كنا لا تنوي في هذا المقام الخوض في تفاصيل ثغرات هذا التدوين، فإن الملاحظة الرئيسية تبقى مرتبطة بطبيعة الترجمة التي أنجزها الدكتور عزالدين الخطابي. فعلى الرغم من أهمية الجهد الذي بذل في هذا الباب، فالواضح أن المترجم قد أنجز عمله تحت ضغط إكراهات التدافع الهوياتي الذي تحبل به الساحة الثقافية الوطنية المعاصرة. فهل المخزن يشكل «آخرا» يمكن أن نوازي بين أدواره وأدوار الحزب الإستعماري الفرنسي خلال مرحلة نهاية القرن19؟بل وهل يمكن أن نعتبر قبائل جبالة «آخرا» بالنسبة لمنطقة الريف كما ورد في التقديم الذي وضعه المترجم؟ وهل يجوز التصرف في المصطلحات الأصلية في المتن تحت ضغط النزوعات الذاتية، من قبيل استبدال كلمة البربرية بالأمازيغية؟ وما قيمة الترجمة إذا كان هاجسها الدفع في اتجاه إبراز صفات التميز لدى عرق مفترض على حساب الأعراق الأخرى المتساكنة داخل الوطن والمكونة لهويته الجمعية؟ وماقيمة الترجمة التي تنبه إلى الأخطاء الجسيمة التي طغت على المتن الأصلي؟ ألا يعتبر ترديدنا لهذه الأخطاء من دون توضيح خلفياتها وانزلاقاتها خطأ جسيما يمس بالمصداقية العلمية لمثل هذا النوع من الترجمات؟… أسئلة متناسلة تستلزم الكثير من الجرأة العلمية غير الوظيفية لإكساب جهود ترجمة الرصيد الأسطوغرافي الكولونيالي قيمتها الأكاديمية الضرورية. وفي انتظار ذلك، لا يسعنا إلا القول بأن مشروع الترجمة العلمية لهذا الكتاب، لازال مؤجلا حتى إشعار آخر.