أظهرت دراسة علمية نُشرت أواخر عام 2025 أن المغرب ظلّ، على مدى 45 عاماً، أحد المحاور الرئيسة لاتفاقيات الصيد البحري التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع دول الجنوب العالمي، مستحوذاً على 32.4 في المائة من إجمالي الإعانات العمومية الأوروبية المخصّصة لهذه الاتفاقيات، أي ما يعادل نحو 1.56 مليار يورو من أصل 4.8 مليارات يورو صُرفت منذ عام 1979. وأوضحت الدراسة، التي نشرتها مجلة علمية متخصصة في استدامة المحيطات، أن اتفاق الصيد بين المغرب والاتحاد الأوروبي شكّل منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي أحد أعمدة استراتيجية بروكسل لتوسيع نشاط أساطيلها خارج مياهها الإقليمية، سواء من حيث عدد السفن الأوروبية العاملة أو من حيث حجم الدعم المالي المخصص مقابل الولوج إلى المصايد المغربية.
وبحسب المعطيات، دخل أول اتفاق فعلي حيّز التنفيذ عام 1988، قبل أن يبلغ ذروته منتصف تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال 1995–1996، حين بلغت الإعانة السنوية الأوروبية مستوى قياسياً قدره 127 مليون يورو، مقابل فتح واسع للمياه المغربية أمام الأساطيل الأوروبية، خصوصاً سفن الصيد القاعي والسفن الصغيرة للصيد السطحي. وأشارت الدراسة إلى أن تلك المرحلة شهدت منح تراخيص لأكثر من 514 سفينة أوروبية لصيد الأنواع القاعية بطاقة إجمالية ناهزت 57 ألفاً و800 طن، إضافة إلى 49 سفينة متوسطة وصغيرة لصيد الأسماك السطحية الصغيرة بحصة سنوية بلغت 60 ألف طن، وهو ما اعتُبر آنذاك أكبر اتفاق صيد من حيث الحجم المالي والطاقي بين الاتحاد الأوروبي ودولة ساحلية واحدة. غير أن الاتفاق عرف تحولات عميقة خلال العقدين الأخيرين، مع تقليص كبير في نطاقه وعدد السفن وأنواع المصايد المستهدفة. ففي آخر سنة نشطة للاتفاق عام 2023، انخفض عدد السفن الأوروبية المسموح لها بصيد الأنواع القاعية إلى 61 سفينة فقط، بطاقة إجمالية لا تتجاوز 3 آلاف و255 طناً، أي أقل بنحو 18 مرة مقارنة بذروة منتصف التسعينيات، بينما تركزت معظم التراخيص المتبقية على صيد الأسماك السطحية الصغيرة. وأفادت الدراسة بأن حصة هذا الصنف من الأسماك بلغت في المغرب عام 2023 نحو 185 ألف طن، موزعة بين 26 سفينة صغيرة و13 سفينة كبيرة، مقابل إعانة سنوية قدرها 42.4 مليون يورو، ما يعكس تحوّل الاتفاق من نموذج شامل متعدد المصايد إلى نموذج شبه أحادي يركز على الأسماك السطحية الصغيرة. وفي السياق القانوني، ذكّرت الدراسة بأن اتفاقيات الصيد الأوروبية تستند إلى اتفاقية الأممالمتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي كرّست مفهوم المناطق الاقتصادية الخالصة ومنحت الدول الساحلية حق استغلال مواردها، مع السماح بمنح الولوج إلى "فائض" المخزون السمكي لدول أخرى عبر اتفاقيات. وخلصت الدراسة إلى أن المغرب يمثل نموذجاً مركزياً لهذا التحول، إذ شكّلت الأسماك السطحية الصغيرة وحدها 63.9 في المائة من إجمالي الإعانات الأوروبية المخصصة لجميع الاتفاقيات، رغم أنها لا تمثل سوى 7.6 في المائة من القدرة الطاقية للأساطيل الأوروبية المشاركة و4 في المائة فقط من عدد السفن. وعلى المستوى السياسي، ربط الباحثون مستقبل الاتفاق المغربي بالتطورات القانونية المرتبطة بقضية الصحراء، مشيرين إلى حكم صادر في أكتوبر 2024 عن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي اعتبر تطبيق اتفاق الصيد على المياه المقابلة للأقاليم الصحراوية "خرقاً لمبدأ تقرير المصير"، في دعوى رفعتها جبهة بوليساريو ضد المفوضية الأوروبية، وهو ما وصفته الدراسة بمنعطف حاسم قد يضع الاتفاق برمته موضع مراجعة.