سجلت مناطق شمال المغرب خلال شهر دجنبر 2025 تساقطات غزيرة، وضعت حدا لبداية موسم اتسمت بالشح، ورفعت المؤشرات المناخية بشكل لافت مقارنة بالعام الماضي. غير أن تحليل هذه الأرقام يكشف أن التحسن المسجل يظل مرتبطا بحدث زمني مركز، ولا يعكس تحولا هيكليا يضمن استدامة التزويد المائي في المنطقة. وتكشف إحصائيات محطات الرصد الجوي عن فوارق كبيرة في الكميات المتهاطلة بين شتنبر ودجنبر 2025 مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024. وحسب البيانات التي جمعتها جريدة طنجة 24 الإلكترونية، فقد بلغت الحصيلة في طنجة 215 بالمئة من مستوى السنة السابقة، بينما سجلت العرائش قفزة نوعية ب 418 بالمئة، ووصلت النسبة في تطوان إلى 173 بالمئة. ويعود الفضل الأكبر في هذه "الطفرة" إلى شهر دجنبر منفردا، الذي عوض ثلاثة أشهر سابقة اتسمت بتساقطات ضعيفة ومتقطعة. ويقلل هذا التمركز الزمني للأمطار من دلالة الارتفاع المسجل عند مقارنته بالمعدلات المناخية المرجعية للفترة 1991–2020، التي تقوم أساسا على انتظام توزيع الغيث طيلة الموسم. فمن الناحية الهيدرولوجية، تؤدي الأمطار المتأخرة والغزيرة إلى رفع سريع للجريان السطحي، وهو ما يفيد السدود، لكن أثرها يظل محدودا جدا في إعادة شحن الفرشات المائية الجوفية، التي تتطلب أمطارا منتظمة ومنخفضة الشدة لتحقيق النفاذية المطلوبة. وينعكس هذا التباين بوضوح على الوضعية المائية؛ إذ لم تستفد المياه الجوفية بنفس وتيرة التدفقات السطحية السريعة المسجلة في دجنبر، مما يحد من الأثر المتوسط الأجل لهذه التساقطات، ويبقي الفجوة قائمة بين تحسن المؤشرات الآنية وضمان الأمن المائي. وفي المقابل، يعود ارتفاع نسب ملء السدود جزئيا إلى تدابير "إدارة العرض"، وتحديدا الربط بين الأحواض المائية ونقل المياه من سد وادي المخازن لتأمين تزويد طنجة، ما يعني أن الوفرة الحالية لا تعكس بالضرورة تعافيا ذاتيا للموارد المحلية. ويبقى العامل الزمني حاسما في معادلة الندرة، في ظل تأخر الحلول الاستراتيجية. فمشروع تحلية مياه البحر بطنجة، الذي يمثل ركيزة التحول في السياسة المائية للمنطقة، لن يدخل الخدمة قبل سنة 2028. ويفرض هذا المعطى استمرار الاعتماد في المدى القريب على السدود والتساقطات الموسمية لتأمين الحاجيات، وسط دورات مناخية تتسم بتزايد الاضطراب وعدم الانتظام. وعليه، فإن أرقام نهاية 2025 تمثل تحسنا ظرفيا مقارنة بسنة مرجعية جافة، دون أن تؤشر على تغيير جذري في واقع الإجهاد المائي.