في الوقت الذي تعتمد فيه مدينة طنجة على لوحات قيادة رقمية لتتبع مشاريعها الكبرى، كشفت الدورات العادية لمجالس المقاطعات الأربع عن واقع تدبيري مغاير، غلب عليه ما وصفه متابعون ب"الضجيج السياسي" على حساب لغة الأرقام، حيث تحولت ملفات القرب إلى موضوع سجالات واتهامات متبادلة دون سند إحصائي مفصل أو خلاصات تقنية قابلة للتتبع. وتبرز هذه المفارقة عند مقارنة مستوى التأطير الرقمي المعتمد على صعيد المدينة، مع طبيعة النقاشات التي شهدتها مجالس المقاطعات، والتي ناقشت جداول أعمال مثقلة بملفات حيوية، من بينها التطهير السائل والإنارة العمومية وتصريف مياه الأمطار، دون أن ترفق بعروض تقنية أو مؤشرات أداء تسمح بتقييم الوضعية أو رصد الاختلالات بشكل موضوعي. وفي هذا السياق، شكل مجلس بني مكادة نموذجا مكثفا لهذا التوجه، باعتباره المقاطعة الأكبر ديموغرافيا، إذ أنهى دورته العادية المنعقدة الثلاثاء الماضي دون تقديم وثائق تقنية أو بيانات مفصلة، مقابل تصاعد ما وصف داخل الجلسة ب"التصعيد اللفظي" وتدوير الاتهامات بين المنتخبين. وتضع المعطيات الرسمية لجماعة طنجة هذا التباعد بين المستويين، المركزي والمحلي، أمام محك المساءلة، إذ تشير البيانات المتاحة إلى أن نسبة التغطية بشبكة التطهير السائل تفوق 98,8 في المائة، مع قدرة معالجة تناهز 38 مليون متر مكعب سنويا من المياه العادمة. غير أن هذه القاعدة المرجعية لم تستدع داخل قاعات المقاطعات لتحديد موقع كل مقاطعة ضمن الخريطة العامة للمدينة، أو لرصد التفاوتات المجالية المحتملة في نسب الربط أو الضغط على الشبكات. وعلى غرار باقي المجالس، تحولت جلسة بني مكادة إلى ساحة لتبادل اتهامات مباشرة بسوء التدبير، غير أن هذا "الضجيج السياسي" لم يواكبه تفعيل للمساطر الرقابية التي يتيحها الإطار القانوني للمقاطعات الأربع. فلم يسجل طلب تفعيل المادة 214 المتعلقة بالافتحاص، ولم تشكل لجان لتقصي الحقائق، كما لم تحل ملفات على هيئات المراقبة المختصة، ما أبقى السجال في إطاره الخطابي دون امتداد إجرائي. وفي قطاعات تتطلب دقة هندسية عالية، مثل الإنارة العمومية وتصريف مياه الأمطار، غابت عن نقاشات المقاطعات معطيات أساسية من قبيل تواتر التدخلات، ومدد الاستجابة للأعطاب، وكلفة الصيانة الطاقية، أو مقارنة الأداء بين سنوات مختلفة. وظهر هذا الافتقار للمؤشرات بوضوح في مجلس بني مكادة، الذي اختتم دورته دون تقديم أي وثيقة تتيح قياس الأداء أو تتبعه زمنيا. ويأتي هذا النمط من الممارسة في سياق تشهد فيه طنجة توسعا عمرانيا متسارعا يفرض ضغطا متزايدا على البنيات التحتية والخدمات اليومية، وهو ما يستدعي، من حيث المبدأ، أدوات تخطيط واستشراف قائمة على تتبع المؤشرات وتحيين المعطيات. غير أن مجالس المقاطعات واجهت هذا الضغط بالاكتفاء بتداول القضايا في بعدها السياسي، دون إنتاج وثائق استشرافية أو جداول زمنية للإنجاز. وتظهر قراءة مجريات الدورات الأخيرة أن مقاطعات طنجة، وبني مكادة كنموذج دال، كرست فجوة متزايدة بين الإمكانات التقنية المتاحة على مستوى المدينة ككل، وبين الممارسة السياسية داخل المجالس الفرعية، حيث جرى تعويض غياب الأرقام والمؤشرات بتكثيف ما يوصف ب"السجال السياسي" داخل القاعات، دون الانتقال إلى مسارات مؤسسية تتيح التتبع والمساءلة.