بعد مرور واحد وثمانين عاما على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، لا تزال هذه الورقة التأسيسية تقرأ في المغرب بوصفها "شهادة ميلاد" الدولة الحديثة ونقطة التحول الحاسمة في مسار التحرر من الاستعمار. ولكن، عند إعادة قراءة سطور الوثيقة بعين المؤرخ الفاحصة اليوم، يبرز تساؤل إشكالي قد يبدو للوهلة الأولى صادما: لماذا ركزت الوثيقة نيرانها السياسية حصرا على فرنسا، متجاهلة بشكل لافت الوجود الإسباني الذي كان يطبق بفكيه على شمال المملكة وجنوبها؟ في الحادي عشر من يناير عام 1944، عندما توجه رجال الحركة الوطنية لمخاطبة الإقامة العامة، كانت الجغرافيا السياسية للمغرب عبارة عن فسيفساء معقدة من مناطق النفوذ. فبينما كانت فرنسا تسيطر على "المغرب النافع" في الوسط، كانت إسبانيا تحكم قبضتها الحديدية على الشمال (المنطقة الخليفية) والجنوب، في حين كانت طنجة تعيش وضعا استثنائيا. المثير في الأمر أن الوثيقة لم تتطرق بصريح العبارة إلى إنهاء الحماية الإسبانية، رغم أن الوضع في الشمال لم يكن أقل قتامة أو بؤسا مما كان عليه الحال في المناطق الخاضعة للسيطرة الفرنسية. ولفهم هذا "الصمت التكتيكي" تجاه مدريد، يجب العودة بذاكرة الزمن إلى السياق الدولي المتوتر لعام 1944. فقد كان العالم يخوض غمار الحرب العالمية الثانية، وكانت الخريطة السياسية شديدة التعقيد. فرنسا، رغم ضعفها، كانت محسوبة على معسكر "الحلفاء" الذين بات انتصارهم وشيكا، بينما كانت إسبانيا بقيادة الجنرال فرانكو تقف على الحياد رسميا، وإن كانت ميولها أقرب للمحور. وتشير التحليلات التاريخية المعاصرة إلى أن الحركة الوطنية أدركت ببراغماتية عالية أن مفتاح الاستقلال يكمن في باريس لا في مدريد. فلقد كان التقدير السياسي يفيد بأن انتزاع الاعتراف بالاستقلال من القوة الاستعمارية الرئيسية (فرنسا) سيؤدي بالضرورة وتلقائيا إلى سقوط الهيمنة الإسبانية كأثر جانبي حتمي. وتزيد قضية طنجة من تعقيد المشهد في تلك الحقبة. ففي الوقت الذي كتبت فيه الوثيقة، كانت مدينة البوغاز قد فقدت وضعها الدولي مؤقتا. فمنذ عام 1940، اجتاحت الجيوش الإسبانية طنجة وضمتها إداريا إلى مدينة تطوان، عاصمة المنطقة الخليفية، مستغلة انشغال العالم بالحرب. وظلت طنجة ترزح تحت هذا الاحتلال العسكري الإسباني المباشر حتى 30 غشت 1945، حين أجبرت اتفاقية باريس القوات الإسبانية على الانسحاب والعودة إلى النظام الدولي. ومع ذلك، تجاوزت وثيقة 11 يناير هذه التفاصيل الجغرافية المعقدة لتركز على المطلب المبدئي الجوهري: استقلال الأمة ككل، عبر بوابة المستعمر الأكبر. ولم يكن تجاهل إسبانيا في الوثيقة، إذن، نسيانا للجزء الشمالي أو الجنوبي من الوطن، بل كان مناورة سياسية ذكية تقتضي "تحييد" خصم للتركيز على الخصم الأقوى. لقد تعامل الموقعون على الوثيقة مع فرنسا بصفتها "الرأس" الذي إن خضع، تهاوت بقية الأطراف. وقد أثبت التاريخ صحة هذا التوجه؛ ففرنسا كانت هي المخاطب الدولي الذي يملك الشرعية القانونية لمعاهدة الحماية الأصلية لعام 1912. وعلى الرغم من أن الوثيقة بدت وكأنها تخاطب باريس وحدها، إلا أن التاريخ سرعان ما أكمل النص الناقص. فما بدأ كحركة نخبوية في 1944، تحول إلى صرخة وحدة وطنية شاملة بعد ثلاث سنوات فقط. وجاءت زيارة السلطان محمد الخامس التاريخية إلى طنجة عام 1947 لتضع النقاط على الحروف، حيث أعلن للعالم بأسره، ومن قلب المنطقة التي كانت دولية، وحدة التراب المغربي وانتماء الشمال والجنوب إلى جسد واحد، منهيا بذلك أي غموض قد يكون خلفه التركيز التكتيكي لوثيقة 11 يناير. وبهذا المعنى، لم تكن الوثيقة تجاه لا لإسبانيا، بل كانت الخطوة الأولى المدروسة في لعبة شطرنج طويلة ومعقدة انتهت باستقلال المملكة وتوحيد أطرافها.