تعيش مدينة أصيلة على وقع أزمة سياسية وإدارية تعمق حالة تصدع الأغلبية المسيرة لمجلسها الجماعي، إثر تفجر فضيحة تتعلق بشبهات تلاعب في الرسوم الضريبية العقارية. وتأتي هذه الأزمة لتسلط الضوء على حالة الهشاشة المؤسساتية وصراع الأجنحة الذي بات يطبع المشهد المحلي، في مرحلة انتقال سياسي دقيقة أعقبت وفاة شخصية الرئيس السابق محمد بن عيسى. وتجسدت هذه الأزمة في طفو الخلافات الداخلية إلى العلن، عبر شكاية رسمية وُجهت إلى والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وحملت توقيعات وازنة لستة مستشارين جماعيين، من بينهم نواب للرئيس ورؤساء لجان فاعلة في المجلس. وتتجه أصابع الاتهام في هذه المراسلة، نحو النائب الأول لرئيس المجلس، جابر العدلاني، بتهمة توقيع شواهد إعفاء ضريبي مؤقتة خارج نطاق اختصاصاته وتفويضه القانوني، لصالح عقارات شاسعة تعود لمنعش عقاري واحد، وهو ما اعتبره المشتكون "تبديداً صريحاً للمال العام" وخرقاً سافراً لقواعد الحكامة. إعفاءات بالملايين وغياب للتحصيل وتكشف الوثائق المرفقة بالشكاية، أن الإعفاءات "المشبوهة" شملت ثلاثة وعاءات عقارية كبرى — تُعرف ب"السانية 1″، و"بنعيسى"، و"أصيلة بلاج 4″ — تتجاوز مساحتها الإجمالية خمسة هكتارات. وقد مُنح مالك هذه العقارات إعفاءات مؤقتة من الرسوم المفروضة على الأراضي الحضرية غير المبنية برسم سنة 2025، دون إلزامه مسبقا بتسوية واستخلاص الديون الضريبية المتراكمة في ذمته عن السنوات السابقة. وقد ادى هذا الإجراء، بحسب الموقعين، إلى تفويت مداخيل بملايين الدراهم على خزينة جماعة تعاني أصلا من محدودية مواردها المالية، والتي كانت كفيلة بالمساهمة في تمويل برامج التنمية المحلية. فراغ سياسي وصدمة غياب "الرجل القوي" وتكتسي هذه الفضيحة أبعادا أعمق عند وضعها في سياقها السياسي المحلي. فمدينة أصيلة، التي ارتبط اسمها وتسييرها طيلة أكثر من أربعة عقود بشخصية الراحل محمد بن عيسى (وزير الخارجية والثقافة الأسبق، وصانع إشعاعها الثقافي والدبلوماسي)، تعيش اليوم ارتدادات ما يوصف ب"الفراغ المرجعي" القاتل إثر وفاته. و لم يكن رحيل بن عيسى مجرد غياب سياسي عابر، بل مثّل نهاية حقبة لرجل دولة هيمن على مفاصل التسيير المحلي بكاريزما قيادية حافظت على تماسك الأغلبية بقبضة قوية طيلة ولايات متتالية. ويرى مراقبون للشأن المحلي أن وفاة "الرجل القوي" تركت فراغا مؤسساتيا عميقا، وأسقطت "المظلة السياسية" التي كانت تضبط إيقاع المجلس وتحول دون خروج الخلافات إلى العلن. وفتح هذا الفراغ المفاجئ الباب واسعا أمام التطاحن المباشر على النفوذ، المواقع، وتدبير الموارد بين مكونات المجلس الحالي. حيث تشكل الشكاية المرفوعة ضد النائب الأول للرئيس دليلا ملموسا على حالة التشظي التي تضرب التحالف المحلي، إذ بات تدبير الشأن العام عرضة للتجاذبات المصلحية و"التدبير المزاجي". خرق قانوني ومطالب ب"التدخل العاجل" واستند المستشارون الغاضبون في طعنهم الإداري إلى مقتضيات القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، مشددين على أن الإجراء المتخذ يمثل "غض طرف مقصود" عن مستحقات عامة، وتزكية لوضعية غير قانونية تخدم مصالح منعشين خواص على حساب المصلحة العامة للمدينة. وطالبت الوثيقة السلطات الولائية بفتح تحقيق إداري ومالي شامل لترتيب الآثار القانونية وتحديد المسؤوليات. وحذر المشتكون من أن هذه الحالات قد لا تعدو كونها "الشجرة التي تخفي غابة" من الاختلالات الأوسع في تدبير الوعاء الضريبي وتراخيص التعمير. وخلصت المراسلة إلى دعوة سلطات الرقابة التابعة لوزارة الداخلية للتدخل العاجل، بهدف وقف نزيف هدر المال العام، وحماية مقدرات الجماعة من الانزلاقات التي تتنافى مع المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة.