داخل أحد المتاجر المتخصصة في بيع الأثواب التقليدية بشارع طارق بن زياد في مدينة طنجة، تتفحص سعيدة ب. (42 عاما)، برفقة ابنتها العشرينية، مجموعة من الأقمشة المعروضة بعناية. فرغم توفر خزانتها على قطع كافية، تأبى السيدة المغربية التخلي عن طقس اقتناء "جلابة" جديدة تزامنا مع الأيام التي تسبق حلول شهر رمضان. ويعكس المشهد داخل هذا الشارع التجاري، الذي يضم وحدات متخصصة في بيع الأثواب، توجها مجتمعيا راسخا. ففي الوقت الذي تتجه فيه الكثير من النساء والفتيات لمواكبة أحدث صيحات الموضة العصرية طوال العام، تسجل هذه الفترة عودة جماعية ولافتة لارتداء الجلابة التراثية، لتتصدر المشهد كزي رئيسي في المناسبات البسيطة والخاصة على حد سواء. وتبرر سعيدة هذا الحرص الاستهلاكي، الذي ينعش المحلات التجارية في المدينة، قائلة: "في الحقيقة لدي ما يكفي من الجلابيب في البيت، لكنني تعودت على شراء جلباب جديد في كل رمضان". وتضيف في توصيفها لهذا الارتباط: "إنه تقليد أتبعه وأتشبث به تماما كتشبث الأطفال بلباس جديد في عيد الفطر". ولا يقتصر هذا التوجه على فئة عمرية أو اجتماعية محددة، بل يمتد ليشمل الشريحة العاملة من الأجيال الجديدة. ففي مقار العمل بالقطاع الخاص، تفرض الجلابة حضورها كزي يزاوج بين العملية والارتباط بأجواء الشهر التي تعطي انطباعا خاصا لدى الأسر. وتشرح أمل د. (31 عاما)، وهي موظفة بإحدى شركات القطاع الخاص في طنجة، أسباب تفضيلها لهذا اللباس التقليدي على غيره من الأزياء العصرية خلال فترة الصيام. وتقول: "أحرص على اقتناء أكثر من واحدة للتغيير، كما أنتقيها بعناية بحيث تكون أنيقة وبسيطة وعصرية". ولاستيعاب هذا التحول في الاحتياجات اليومية، لم يعد تصميم الجلابة مقتصرا على النمط الكلاسيكي المتمثل في قطعة واحدة طويلة. فقد ظهرت تصاميم جديدة، تعتبر من إبداع جيل شاب من المصممين، تعتمد على قطعتين؛ جلابة قصيرة تصمم على شكل قميص، وسروال متناسق يطابقها في القماش وطريقة الخياطة، في مسعى لتبسيط الزي والاستجابة لمعايير اللباس العصري. وتفسر مونية، وهي مختصة في تصميم وخياطة الملابس التقليدية النسائية، هذه الحركية المتسارعة التي تسبق رمضان. وتقول: "تنشط حركة خياطة الجلابة المغربية خاصة خلال الأسابيع الأولى من شعبان، تحضيرا للأيام الرمضانية وليلة القدر ولعيد الفطر". وتوضح المختصة أن التصاميم تخضع لتغيرات بحسب طبيعة المناسبة. ففي فترات الأعياد، تتجه اختيارات النساء نحو "الخياطة الوازنة" (الثقيلة)، والتي تعتمد على أثواب باهظة الثمن من قبيل "المليفة" و"الكمخة" و"الثليجة" و"الكريب". وتتطلب هذه الفئة من الأقمشة تدخلا حرفيا يدويا يعرف محليا ب"خدمة المعلم". وتتنوع تقنيات تزيينها بين التطريز باليد، والتنبيت ب"الجوهر" (الخرز)، أو الاعتماد على تقنيات "الرندة بالجوهر" و"البرشمان"، تبعا لاختيارات الزبونات. في المقابل، تختلف المعايير خلال الأيام الرمضانية، حيث تميل أغلبية النساء إلى اقتناء تصاميم بسيطة وخفيفة تنسجم مع طبيعة الشهر. وتلفت أكدير إلى أن إقبال الشابات تحديدا أفرز ما يشبه "موضة ارتداء الجلابة الرمضانية"، مشترطات أن تكون هذه الأزياء "عصرية وأنيقة وبسيطة". وتعزو المتحدثة هذا التوجه إلى رغبة الفتيات في تسهيل عملية الخروج للعمل أو الدراسة "دون إحراج"، نظرا لكونهن "يعتبرن شهر رمضان شهر الوقار والاحترام والصلاة والعبادة، باعتبار أن هذا الزي زي محتشم". وعلى مستوى التكلفة المادية، تسجل أسعار هذه الأزياء استقرارا دون تغييرات جذرية. وتوضح المصممة أن التسعيرة تختلف حسب طبيعة الإنجاز؛ إذ قد يتجاوز سعر الخياطة اليدوية الخالصة، التي تعد الأعلى سعرا، عتبة 1000 درهم. بينما تتأرجح أسعار الخياطة الآلية (بالمكينة) بين 250 و700 درهم، مع تسجيل زيادات طفيفة في حال إدراج تعديلات إضافية كترصيع الجلابة ب"الجوهر" أو "البرشمان". وتبقى هذه الأسعار عموما قابلة للتحول بناء على حجم وطبيعة الطلب. وفي تقييمها للتوجهات الاستهلاكية الحالية، تؤكد أكدير أن المرأة في المنطقة الشمالية تمتلك "ذوقا مميزا في الأزياء"، مشيرة إلى أن هذا الذوق يختلف حسب العائلات والمناطق وعادات وتقاليد كل منطقة. غير أنها تخلص في قراءتها لهذا التحول إلى أن "الإعلام والتكنولوجيا الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي أثرت على الذوق العام والثقافات المتوارثة"