تتحرك سناء العاقل في ورشة متواضعة بحي السلام في طنجة، بين لفائف القماش وقطع الألبسة التقليدية بنوع من التركيز الذي لا يبدو طارئا. يدها اعتادت المهنة منذ سنوات طويلة، لكن المكان نفسه جديد نسبيا في حياتها. بعد أكثر من عشرين عاما من الاشتغال في الخياطة، وجدت أخيرا ما يشبه الاعتراف العملي بخبرتها: ورشة خاصة بها، مفتوحة للزبائن، وقادرة على تشغيل آخرين. قد لا يبدو هذا التحول كبيرا في لغة الاقتصاد الكلي، لكنه في الواقع يلخص شيئا أكثر أهمية من مجرد مشروع صغير مدر للدخل. فهو يكشف كيف تحاول نساء كثيرات في طنجة، وفي مدن مغربية أخرى، الخروج من الاقتصاد المنزلي غير المرئي إلى مساحة أكثر وضوحا واستقلالا، حيث يصبح العمل اليدوي القديم نشاطا مهنيا قائما بذاته، لا مجرد امتداد صامت لأعباء البيت. وفي حالة سناء، جاء هذا الانتقال بدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز الآليات العمومية التي تراهن عليها السلطات المحلية لمواكبة المشاريع الصغرى، خصوصا تلك التي تقودها النساء والشباب. لم يكن الأمر بالنسبة إليها مجرد تمويل، بل أيضا مواكبة تقنية وإدارية سمحت لها بأن تنقل نشاطها من البيت إلى ورشة فعلية. تقول سناء إنها ظلت لسنوات تمارس الخياطة في المنزل، مثل كثير من النساء اللواتي يمتلكن مهارات واضحة لكنهن يشتغلن في هامش اقتصادي هش، حيث يتداخل العمل مع الحياة اليومية، وتبقى حدود المشروع غائمة. افتتاح الورشة في 2023 لم يكن، بالنسبة إليها، مجرد تحسن في ظروف العمل، بل انتقالا رمزيا من وضعية التنفيذ الصامت إلى وضعية المبادرة. هذا النوع من القصص أصبح جزءا من السردية المحلية الجديدة حول ريادة الأعمال النسائية في طنجة-أصيلة، وهي سردية لا تقوم على الشركات الناشئة بالمعنى المتداول في الخطاب الاقتصادي الحديث، بقدر ما تقوم على تحويل الحرف والخدمات الصغيرة والأنشطة التقليدية إلى أدوات للتماسك الاجتماعي والاستقلال المالي. ما وراء الأرقام... وما تقوله عن النساء وسوق العمل تقدم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هذه الدينامية باعتبارها جزءا من مجهود أوسع لدعم الإدماج الاقتصادي للنساء. ووفق المعطيات المقدمة على مستوى عمالة طنجة-أصيلة، فقد جرى دعم وتمويل 265 مشروعا بين 2019 و2025 في إطار برنامج تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، من بينها 127 مشروعا لفائدة النساء. وتبدو هذه النسبة لافتة في حد ذاتها، لأنها تشير إلى أن النساء يشكلن تقريبا نصف المستفيدين من هذه المشاريع، في سياق لا يزال فيه الولوج النسائي إلى سوق الشغل محفوفا بتفاوتات هيكلية، سواء من حيث فرص العمل أو شروط التمويل أو القدرة على تحويل المهارات إلى مشاريع مستقرة. لكن الرقم الأهم ربما لا يتعلق بعدد المشاريع فقط، بل بطبيعة القطاعات التي تتوزع عليها. فالمجالات المدعومة تشمل الصناعة التقليدية، والفلاحة، والخياطة والتطريز، والحلويات، والمطعمة، والخدمات، والسياحة، إضافة إلى التعليم والتكوين. وهذه ليست قطاعات محايدة. إنها في معظمها المجالات التي تدخل إليها النساء تقليديا لأن كلفة الولوج إليها أقل، ولأنها ترتبط غالبا بمهارات مكتسبة داخل المجال الأسري أو الاجتماعي، لا داخل المسارات المهنية الرسمية. هنا بالضبط تتضح مفارقة هذا النوع من التمكين: فهو من جهة يفتح للنساء بابا حقيقيا نحو دخل واستقلالية وإثبات الذات، لكنه من جهة أخرى يظل في كثير من الحالات محصورا داخل قطاعات قريبة من الأدوار التقليدية المسندة إليهن اجتماعيا. بمعنى آخر، هو تمكين واقعي وملموس، لكنه ليس دائما تحولا جذريا في بنية توزيع الأدوار الاقتصادية. ومع ذلك، فإن الحكم على هذه المشاريع من زاوية ضيقة قد يكون مجحفا. فحين تتمكن امرأة كانت تعمل من منزلها، في ظروف غير مستقرة، من فتح ورشة منظمة وتشغيل ثلاثة خياطين، فإن ذلك لا يمثل فقط تحسنا في دخلها الفردي، بل يخلق أيضا أثرا محليا مباشرا داخل الحي والاقتصاد القريب. وفي مدينة مثل طنجة، حيث تتجاور المشاريع الكبرى والاستثمارات الصناعية الضخمة مع أحياء ما تزال تعيش على الاقتصاد الصغير، يصبح لهذا النوع من المبادرات معنى يتجاوز حجمه المالي. استثمار محدود... لكنه يغير حياة كاملة وبحسب المعطيات نفسها، تجاوز الغلاف المالي الإجمالي للمشاريع المدعومة 44,73 مليون درهم، منها أكثر من 28,94 مليون درهم كمساهمة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. أما النتيجة المعلنة فهي إحداث 835 منصب شغل. قد تبدو هذه الأرقام متواضعة إذا ما قيست بمنطق المشاريع الكبرى، لكنها في الحقيقة تنتمي إلى فلسفة مختلفة تماما: فلسفة الرهان على التغيير المتدرج، وعلى الأثر الاجتماعي أكثر من الرهان على العائد المالي السريع. فالمشروع الواحد هنا قد لا يحتاج سوى عشرات الآلاف من الدراهم لكي ينتقل من طور الفكرة أو النشاط غير المهيكل إلى طور المقاولة الصغيرة. وهذا ما حدث مع ورشة سناء العاقل، التي انطلقت بغلاف مالي يفوق 92 ألف درهم، ساهمت فيه المبادرة بأكثر من 53 ألف درهم. الفارق بين ما قبل هذا الدعم وما بعده لا يقاس فقط بحجم المعدات أو الإيجار أو الواجهة التجارية، بل أيضا بقدرة صاحبة المشروع على التخطيط والتوسع والتفكير في المستقبل بلغة مهنية، لا بلغة النجاة اليومية. من السهل، عند الحديث عن ريادة الأعمال، الانزلاق إلى خطاب تفاؤلي مبالغ فيه. لكن الواقع أكثر تعقيدا. فالمشروع الصغير لا ينجو بالتمويل وحده. يحتاج إلى سوق، وإلى مواكبة مستمرة، وإلى قدرة على مواجهة تقلبات الطلب وارتفاع الكلفة والمنافسة. والنساء، تحديدا، يواجهن فوق ذلك طبقات إضافية من الضغط: مسؤوليات أسرية، وصعوبات في التنقل أحيانا، ونظرة اجتماعية لا تمنح دائما الشرعية الكاملة لفكرة المرأة المقاولة، خاصة في المشاريع التي تبدأ من الفضاء المنزلي. لهذا يبدو مهما أن تتحدث الجهات المشرفة على هذه البرامج عن المواكبة بقدر حديثها عن التمويل. إيمان أدشير، الإطار بقسم العمل الاجتماعي بعمالة طنجة-أصيلة، تضع هذا البعد في قلب المقاربة، حين تؤكد أن المشاريع التي تقودها النساء تحظى بعناية خاصة لأنها لا تسهم فقط في تحسين الدخل، بل أيضا في تعزيز القدرات وتنمية الاستقلالية وتشجيع الإدماج الاقتصادي والمهني. في لغة السياسات العمومية، قد تبدو هذه العبارات مألوفة. لكن معناها يصبح أكثر وضوحا عندما يُرى من داخل ورشة صغيرة، أو محل خدمات، أو مشروع حرفي خرج للتو من الهشاشة إلى الحد الأدنى من الاستقرار. تمكين بطيء... لكنه يغير موقع النساء في المدينة في طنجة، التي غالبا ما تُقرأ من خلال مينائها، ومناطقها الصناعية، وموقعها الاستراتيجي، هناك اقتصاد آخر أقل صخبا، لكنه لا يقل أهمية. اقتصاد يتشكل من مبادرات صغيرة ومتفرقة، تقوده في حالات كثيرة نساء يشتغلن بعيدا عن الأضواء، ويحولن مهارات يومية إلى مورد رزق ومكانة اجتماعية جديدة. ليس هذا تحولا ثوريا، ولا قفزة سريعة في مؤشرات المساواة. لكنه يشير إلى شيء أكثر رسوخا: أن التمكين الاقتصادي للنساء لا يحدث دائما عبر الخطابات الكبرى، بل أحيانا عبر ورشة خياطة، أو مشروع حلويات، أو خدمة محلية صغيرة تمنح صاحبتها حقا بسيطا لكنه حاسم: أن يكون لها دخلها الخاص، وقرارها الخاص، وأفقها الخاص. بالنسبة لسناء العاقل، لا يبدو هذا النقاش نظريا على الإطلاق. هي تعرف فقط أنها انتقلت من العمل داخل البيت إلى فضاء مهني مفتوح، وأن مشروعها بات يوفر فرص شغل لآخرين، وأنها تفكر اليوم في التوسع بدل الاكتفاء. في مدن كثيرة، قد تبدو هذه خطوة عادية. لكن في حياة امرأة انتظرت أكثر من عشرين عاما لتفتح ورشتها الخاصة، تبدو الخطوة أشبه بإعادة ترتيب كاملة للعلاقة مع العمل ومع الذات أيضا.