في مشهد يختزل مفارقات تدبير الشأن العام، تبرز بجماعة تيغرت، إقليمسيدي إفني، جهة كلميم واد نون، قنطرتان تفصل بينهما سنوات، لكن يجمعهما نفس الموقع وتباعد بينهما مقاربة الإنجاز والجودة. الأولى أنجزها السكان المحليون قبل حوالي عشر سنوات، بإمكانيات ذاتية لم تتجاوز أربعة ملايين سنتيم، ودون الاستعانة بخبراء أو دراسات تقنية أو مساطر تقنين معقدة، ومع ذلك صمدت في وجه فيضانات 2014 العارمة، وظلت تؤدي وظيفتها إلى اليوم في صمت، دون ضجيج أو دعاية. في المقابل، شُيّدت قنطرة أخرى قبل أسابيع فقط بتمويل ضخم من مجلس جهة كلميم واد نون، في إطار مشاريع يُفترض أنها خضعت للدراسات القبلية، واحترمت المعايير التقنية، واستوفت شروط التقنين، ومرت عبر لجان المراقبة والتتبع. غير أن أولى التساقطات المطرية كانت كافية لتعري هشاشتها، وتكشف محدودية فعاليتها رغم كثرة الوثائق والتقنيات والشعارات المصاحبة لها، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول جودة الأشغال، ونجاعة المراقبة، والمسؤوليات المرتبطة بتنزيل مثل هذه المشاريع. هذا التباين الصارخ لا يعكس فقط الفرق بين ميزانيتين، بل يفضح خللاً عميقاً في منطق الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فحين تصمد مبادرة شعبية بسيطة، أنجزت بإمكانات محدودة وباجتهاد محلي، أمام تقلبات الطبيعة، وتنهار في المقابل منشأة عمومية حديثة، مكلفة، ومؤطرة بالدراسات والتقنين ولجان المراقبة عند أول اختبار، يصبح من حق الرأي العام المحلي والوطني أن يتساءل بجدية: أين يكمن الخلل الحقيقي؟ وهل المشكلة في نقص الموارد، أم في طريقة صرفها، وتنفيذها، ومراقبتها؟ إن ما حدث بجماعة تيغرت ليس مجرد حادث عابر، بل جرس إنذار حقيقي يستدعي فتح تحقيق تقني وإداري شفاف ومسؤول، حمايةً للمال العام، وضماناً لسلامة المواطنين، واحتراماً لحقهم في بنية تحتية تستجيب فعلاً لما يُرصد لها من ميزانيات، لا لما يُكتب عنها في التقارير، وما يُعلّق عليها من آمال.