يبقى مشكل التطهير السائل بمدينة برشيد من بين أعقد الإشكالات البنيوية التي تعاني منها المدينة، لما له من ارتباط مباشر بالصحة العامة، والبيئة، وجاذبية الاستثمار. وهو ملف يتطلب من الجهات المختصة عملاً جادًا ومسؤولًا لإيجاد حلول حقيقية تنقذ المدينة وتفتح أمامها آفاق التنمية. وتتوفر مدينة برشيد على محطة لتصفية المياه العادمة تمتد على مساحة تقارب 39 هكتارًا، فوق أراضٍ تابعة لجماعة سيدي المكي، وتستقبل يوميًا أكثر من 12 ألف طن من المياه العادمة المنزلية، أي ما يعادل حوالي 90 في المائة من مجموع المياه العادمة بالمدينة. غير أن الإشكال الجوهري يهم نسبة 10 في المائة المتبقية، المرتبطة بالمنطقة الصناعية، والتي لا تخضع مياهها للمعالجة القبلية رغم احتوائها على مواد كيميائية خطيرة.
هذه المياه الصناعية غير المعالجة لا يُسمح لها بالتدفق نحو محطة التصفية، لأنها تقضي على البكتيريا الحية الموجودة داخل صهاريج المعالجة، والتي تلعب دورًا أساسيًا في المعالجة البيولوجية الثنائية للمياه العادمة قبل توجيهها نحو وادي مرزك. ورغم أن المجلس الجماعي السابق أعد ملفًا قضائيًا في مواجهة الصناعيين، فإن ذلك لم يُفضِ إلى حلول ملزمة تُجبرهم على الانخراط في هذه العملية، رغم اعتبارهم شركاء أساسيين في تنمية المدينة وتعزيز قوة منطقتها الصناعية.
وفي هذا السياق، شكّل اليوم الدراسي الذي نظمه المجلس الجماعي سنة 2001 محطة مهمة لتشخيص الاختلالات، وذلك في عهد النائب الأول للمجلس الجماعي الأستاذ محمد طربوز. حيث أكد أحد المهندسين المشاركين أن هيكلة قنوات التطهير بالمدينة أصبحت ضرورة ملحة، بالنظر إلى تهالك الشبكة الحالية وعدم قدرتها على استيعاب الضغط المتزايد. كما دعا إلى إحداث شبكة ثلاثية تفصل بين قنوات خاصة بالمنطقة الصناعية، وقنوات بمياه المنازل، وأخرى بمياه الأمطار، من أجل توجيه كل نوع من المياه إلى مساره المناسب.
واعتبر تجمع المياه أثناء التساقطات المطرية أمرًا طبيعيًا بحكم موقع المدينة في سهل منبسط، غير أن غياب فصل الشبكات يضاعف من حدة الاختناق ويهدد البنية التحتية. وتشير الاستنتاجات الراجحة إلى ضرورة العودة إلى توصيات يوم 2001 الدراسي، وعلى رأسها إلزام المصانع بالمعالجة القبلية لمياهها العادمة قبل ضخها في قنوات المدينة.
كما أن المحطة القديمة، التي أُحدثت عندما لم يكن عدد سكان المدينة يتجاوز 12 ألف نسمة، أصبحت اليوم عاطلة وتشكل خطرًا حقيقيًا على البنية التحتية، بسبب عودة المياه العادمة إلى الأحياء السكنية، إضافة إلى ما تسببه الصهاريج من روائح كريهة واختناقات عرضية تهدد صحة السكان، خاصة الأطفال وكبار السن.
ويظل توسيع الطاقة الاستيعابية للمحطة الحالية أمرًا ضروريًا حتى تتمكن من استقبال كميات أكبر من المياه العادمة، إلى جانب إعداد دراسة لإحداث محطة تصفية ثانية تستقبل مياه المحطة القديمة، التي تغمر حاليًا أراضي أولاد بوفروج، وتتسبب في تلوث الفرشة المائية.
إن مشكل التطهير السائل بمدينة برشيد لم يعد يحتمل مزيدًا من التأجيل أو المعالجة الترقيعية، بل يستدعي رؤية شمولية ومسؤولية جماعية تجعل من حماية البيئة وصحة المواطن أساسًا لأي مشروع تنموي حقيقي.