كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقريرها السنوي، عن صورة قاتمة للوضع الحقوقي والسياسي في تونس، مسجلة استمرار "القمع السياسي الممنهج" وتضييقا غير مسبوق على الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية التجمع وتكوين الجمعيات وحرية الصحافة. وأفاد التقرير أن السلطات التونسية واصلت خلال 2025 وبداية 2026 ملاحقة عشرات المعارضين السياسيين والنشطاء والمحامين في قضايا اعتبرتها المنظمة مسيسة، مستندة إلى تهم فضفاضة من قبيل الإرهاب أو التآمر على أمن الدولة، ما أسفر عن أحكام بالسجن لمدد طويلة بعد محاكمات جماعية لم تحترم، معايير المحاكمة العادلة وضمانات حق الدفاع. واعتبرت هيومن رايتس ووتش، أن الاحتجاز التعسفي أصبح "حجر الزاوية" في السياسة القمعية للحكومة، بهدف حرمان المواطنين من حقوقهم المدنية والسياسية، مشيرة إلى تقلص واضح في المساحة المدنية بفعل مضايقة النشطاء واستهداف منظمات المجتمع المدني بتحقيقات جنائية لا تستند إلى أسس قانونية، إلى جانب تشديد الرقابة المالية والإدارية وفرض قيود على أنشطتها. وتوقف التقرير فقد صدرت أحكام ثقيلة تراوحت بين 4 و66 عاما سجنا في ملف سياسي، وشمل 37 شخصا من معارضين ومحامين ونشطاء وباحثين ورجال أعمال، بعد محاكمة جماعية لم تتجاوز ثلاث جلسات، كما أشارت المنظمة إلى أن محكمة الاستئناف أيدت لاحقا أحكاما بالسجن تراوحت بين 5 و45 عاما ضد 34 متهما، وفي قضية أخرى طالت نحو 21 شخصا، من بينهم قيادات في حركة النهضة ومسؤولون حكوميون سابقون، أدينو بأحكام تراوحت بين 12 و35 عاما. وسجل التقرير أيضا استهداف المحامين، من خلال ملاحقات قضائية ومضايقات مرتبطة بممارستهم المهنية، من بينها الحكم بالسجن خمس سنوات على المحامي أحمد صواب، واعتقال محامين آخرين شاركوا في الدفاع عن المتهمين في قضايا سياسية، كما أشار إلى الأحكام الصادرة ضد شخصيات سياسية بارزة، من ضمنها عبير موسي، التي حكم عليها بالسجن سنتين ثم 12 عاما في قضايا مرتبطة بمواقفها السياسية، إضافة إلى الحكم بالسجن 22 عاما على الرئيس الأسبق منصف المرزوقي وعدد من المسؤولين السابقين. وفي ما يخص حرية الصحافة، نبهت هيومن رايتس ووتش إلى استمرار احتجاز صحفيين وإعلاميين حتى أواخر 2025 ومطلع 2026، مشيرة إلى تصنيف تونس في المرتبة 129 عالميا في مؤشر حرية الصحافة، مع تسجيل ضغوط سياسية متزايدة على غرف الأخبار، وتشديد تشريعي، ومناخ من الخوف والرقابة الذاتية، فضلاً عن إغلاق هيئة النفاذ إلى المعلومة المستقلة. كما رصد التقرير انتهاكات جسيمة بحق المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين، شملت الاعتقال التعسفي والطرد الجماعي نحو الحدود مع الجزائر وليبيا وسوء المعاملة، مؤكدا أن الآلاف، بينهم أطفال غير مصحوبين بذويهم، تعرضوا لهذه الإجراءات خلال 2025، في ظل تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين وتقييد وصولهم إلى التعليم والصحة والعمل والسكن. وعلى صعيد حقوق النساء، انتقدت المنظمة استمرار التمييز في قوانين الميراث، إلى جانب أوجه القصور في تطبيق قانون مناهضة العنف ضد المرأة الصادر سنة 2017، بسبب ضعف التمويل، وعدم كفاية استجابة الشرطة والقضاء، ونقص الملاجئ، ما يجعل النساء أكثر عرضة للعنف والانتهاكات. وخلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن الوضع الحقوقي في تونس يشهد تراجعا مقلقا، داعية السلطات إلى وضع حد للملاحقات السياسية، وضمان استقلال القضاء، واحترام الحقوق والحريات الأساسية، قبل أن تتعمق الأزمة الحقوقية وتنعكس بشكل أخطر على الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد.