في أجواء شديدة التكتم وبعيدًا عن القنوات الدبلوماسية التقليدية، احتضنت سفارة الولاياتالمتحدةالأمريكية بالعاصمة الإسبانية مدريد، أمس الأحد، مشاورات غير معلنة جمعت المغرب وجبهة البوليساريو، بحضور الجزائر وموريتانيا، وبرعاية مباشرة من واشنطن، وبحضور أيضاً لممثل الأمين العام للأمم المتحدة، في خطوة أعادت ملف الصحراء إلى واجهة الاهتمام الدولي بعد فترة من الفتور والجمود. المعطيات المتوفرة تفيد بأن هذه المشاورات لم تكن لقاءً عابرًا أو بروتوكوليًا، بل جاءت في سياق تحرك أمريكي محسوب لإعادة تحريك المسار السياسي للنزاع، في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، أبرزها تنامي الهشاشة الأمنية بمنطقة الساحل، وتزايد القلق الدولي من استمرار بؤر التوتر المفتوحة في شمال إفريقيا. اختيار السفارة الأمريكية كمكان للاجتماع حمل دلالات سياسية واضحة، تعكس رغبة الولاياتالمتحدة في الانتقال من موقع الداعم إلى موقع الوسيط الفعلي، مع التحكم في إيقاع النقاش وضبط مخرجاته بعيدًا عن الضغوط الإعلامية، كما أن جمع الأطراف الأربعة المرتبطة مباشرة بالنزاع في فضاء واحد يُعد سابقة منذ سنوات، خاصة في ظل القطيعة السياسية والتصعيد المتبادل الذي طبع المرحلة السابقة. وحسب مصادر، تمحور النقاش أساسًا حول مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب كحل سياسي للنزاع، وتقدم الوفد المغربي بقيادة وزير الخارجية، ناصر بوريطة الوثيقة حول المقترح بشكل تفصيلي، حيث سعت واشنطن إلى جعله أرضية عملية للنقاش، مع التركيز على تفاصيل تنزيله وضماناته المؤسساتية والسياسية، بدل العودة إلى الطروحات التي أثبتت التجربة صعوبة تطبيقها. الموقف المغربي، وفق المصادر ذاتها، كان واضحًا في التأكيد على أن أي حل واقعي ودائم يجب أن يندرج ضمن السيادة المغربية، مع إبداء استعداد لمناقشة صيغ متقدمة للحكم الذاتي تمنح الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في التدبير المحلي. اللافت في هذه المشاورات كان حضور الجزائر ومشاركتها المباشرة، ليس فقط من حيث الشكل، بل أيضًا من حيث النبرة المعتمدة، معطيات متقاطعة تشير إلى أن الخطاب الجزائري اتسم بقدر من المرونة مقارنة بالمواقف السابقة، مع قبول ضمني بأن يكون مقترح الحكم الذاتي وثيقة نقاش، دون أن يعني ذلك تراجعًا رسميًا عن دعمها السياسي لجبهة البوليساريو. هذا التطور يُقرأ في سياق ضغوط دولية متزايدة على الجزائر للانخراط بشكل أوضح في مسار الحل، خاصة مع إصرار واشنطن على تحميل جميع الأطراف مسؤولياتها السياسية. في المقابل، حافظت جبهة البوليساريو على موقفها التقليدي، متمسكة بمطلب تقرير المصير عبر الاستفتاء، ومعبرة عن تحفظاتها على مقترح الحكم الذاتي، غير أن مشاركتها في هذه المشاورات السرية، وفي إطار ترعاه الولاياتالمتحدة وبحضور الجزائر، اعتُبرت من قبل متابعين تنازلًا تكتيكيًا يهدف إلى كسب الوقت والحفاظ على موقعها داخل أي مسار تفاوضي محتمل. ورغم حساسية اللقاء وأهميته، لم يصدر أي بلاغ رسمي مشترك، ولم تُعلن نتائج أو خلاصات واضحة، ما فتح الباب أمام قراءات وتأويلات متعددة. هذا الصمت، بحسب مصادر دبلوماسية، مقصود لتفادي ردود فعل متشنجة داخل بعض العواصم، ولإبقاء هامش مناورة يسمح باستكمال المشاورات بعيدًا عن الضغوط السياسية والإعلامية. في المحصلة، لا يمكن اعتبار مشاورات مدريد اختراقًا حاسمًا في ملف الصحراء، لكنها تشكل مؤشرًا قويًا على عودة الزخم الدبلوماسي الأمريكي، ومحاولة نقل النزاع من مرحلة إدارة الأزمة إلى أفق البحث عن تسوية سياسية واقعية. ويبقى مستقبل هذا المسار مرتبطًا بمدى استعداد الأطراف، خصوصًا الجزائر والبوليساريو، للانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الحلول، في وقت يبدو فيه المغرب أكثر ثقة في موقعه الدبلوماسي والدولي.