كشف تطور دبلوماسي جديد عن تصدعات متزايدة داخل البيت الأوروبي، بعدما تفجّر خلاف حاد بين فرنسا وألمانيا، قطبي الاتحاد الأوروبي، على خلفية مقاربتهما المتباينة تجاه روسيا والحرب في أوكرانيا.
وأثار اقتراح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إعادة فتح قنوات الحوار مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين موجة تحفظات في برلين، حيث قوبلت المبادرة ببرود من قبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ما وضع العلاقات الفرنسية الألمانية أمام اختبار صعب، وأعاد إلى الواجهة هشاشة التوافق الأوروبي في القضايا الجيوسياسية الكبرى.
ووفق ما أوردته مجلة دير شبيغل الألمانية، فإن مبادرة ماكرون لم تُنسّق مسبقًا مع المستشار الألماني، وهو ما فاقم منسوب التوتر بين الجانبين، وجعل الخلافات بين الزعيمين أكثر وضوحا، بعد أن كانت تُدار خلف الكواليس. وأشارت المجلة إلى أن ميرتس وجد نفسه مضطرا لتجاهل الاقتراح علنا، تفاديا لانزلاق الخلاف نحو مواجهة سياسية مفتوحة مع باريس.
وأضافت المجلة أن التناقض في الرؤى بين ماكرون وميرتس بات من الصعب احتواؤه، في ظل تباعد واضح حول كيفية التعامل مع موسكو ومستقبل الحرب في أوكرانيا.
من جهتها، ذكرت صحيفة سود دويتشه تسايتونغ أن الحكومة الألمانية لا ترى في مبادرة ماكرون إضافة حقيقية لمسار السلام أو لتعزيز وحدة الموقف الأوروبي، معتبرة أن إعادة التواصل مع موسكو في الظرف الحالي لا تخدم الأهداف الاستراتيجية للتكتل.
في المقابل، أبدت روسيا استعدادها للحوار، حيث أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن الرئيس فلاديمير بوتين منفتح على التواصل مع نظيره الفرنسي، شريطة توفر إرادة سياسية متبادلة تسمح بإجراء نقاش جاد.
صدام حول الأصول الروسية المجمدة
وسلطت صحيفة فاينانشال تايمز الضوء على بُعد آخر للخلاف الفرنسي الألماني، يتمثل في مصير الأصول الروسية المجمدة، وهي قضية فجّرت توترات إضافية خلال القمة الأوروبية المنعقدة يومي 18 و19 دجنبر الجاري.
وأشارت الصحيفة إلى أن باريس أبدت تحفظا قانونيا واضحا إزاء مقترح استخدام هذه الأصول، في وقت كان فيه المستشار الألماني يدفع بقوة نحو تبني هذا الخيار. وفي نهاية المطاف، اصطفّت فرنسا إلى جانب دول مثل إيطاليا وبلجيكا في رفض توظيف الأموال الروسية المجمدة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أوروبي رفيع قوله إن ماكرون "تخلى عن دعم ميرتس"، مدركا أن ذلك ستكون له كلفة سياسية، لكنه لم يجد بديلاً في ظل توازنات داخلية وضغوط أوروبية متشابكة.
انقسام يهدد وحدة الموقف الأوروبي
وتعكس هذه التطورات حجم الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تميل باريس إلى مقاربة دبلوماسية أكثر مرونة تجاه موسكو، مقابل تشدد ألماني يسعى إلى إبقاء الضغط السياسي والاقتصادي على روسيا. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الاتحاد على الحفاظ على وحدة قراره في مواجهة واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية في العقود الأخيرة.