منطق اصطفاف جماهير الكرة غالبًا ما يُنظر إلى جمهور كرة القدم باعتباره كتلةً منفعلة تحكمها العاطفة العابرة أكثر مما يوجهها التفكير الواعي السليم، غير أن التتبع الدقيق لسلوك الجماهير في محطات كبرى وداخل فضاءات تنافسية مشحونة، يكشف أن المدرجات تعكس فعلًا مجالًا ثقافيًا وسياسيًا بامتياز له منطقه الخاص، حيث تتقاطع الذاكرة والرمز والتمثلات الجماعية. فهتافات الجماهير لغة رمزية تعبر عن رؤى للعالم، وتعيد ترتيب العلاقات بين الذات والآخر، وتصرف في أحيان كثيرة مواقف ثقافية سياسية وأخلاقية أكثر شفافية ووضوحًا من خطابات النخب. وفي هذا السياق، وبمناسبة كأس إفريقيا للأمم، يمكن قراءة ما وقع في ملعب أدرار بأكادير الذي سجل حضورًا جماهيريًا كثيفًا خاصة خلال المباراة التي جمعت مصر بجنوب إفريقيا؛ حيث شجع جمهور أكادير المنتخب المصري بقوة إلى غاية صافرة النهاية. وقد وجِّهت لاحقًا انتقادات واسعة إلى الجمهور السوسي، واعتبر هذا الدعم مغالاة غير مبررة بل وُصف بكونه هدية مجانية لمنتخب لا يبادله أنصاره نفس الود. وذهب بعضهم إلى القول إن الجمهور نال "جزاء سنمار"، خصوصًا بعد مواقف الإعلام المصري وبعض جماهيره التي روَّجت لفكرة أن التحكيم منحاز للمغرب لا سيما عقب مباراة المغرب وتنزانيا. ومع توالي هذه المواقف، تحولت بوصلة الجمهور السوسي تدريجيًا نحو تشجيع خصوم المنتخب المصري، خصوصًا بعد تأجيج العلاقة بين الجمهورين بعد تصريحات وسلوكات اعتُبرت مستفزة من مدرب المنتخب المصري حسام حسن. ولفهم هذا السلوك لا بد من تجاوز القراءة السطحية التي تختزله في رد فعل عاطفي. فخلال هذه الدورة من كأس إفريقيا للأمم التي حطَّمت أرقامًا قياسية من حيث المتابعة والتنظيم، ونجح فيها المغرب بشكل غير مسبوق مقارنة بالدورات السابقة، برز منطق رمزي أعمق يحكم تموضعات الجماهير. ولتوضيح ذلك يمكن استحضار مثال دال من تاريخ كرة القدم العالمية يتمثل في بطولة كأس العالم للشباب المنظمة بتشيلي والتي توج بها المغرب. فقد حظي أشبال الأطلس آنذاك بمساندة جماهيرية واسعة من الجمهور التشيلي الذي شجع المنتخب المغربي بحماس لافت، ورفع شعارات مشتركة واحتفل مع اللاعبين خلال المباراة النهائية وبعدها حين فاز المغرب على المنتخب الأرجنتيني بهدفين دون رد. هذا الدعم الجماهيري الذي ترافق مع صافرات استهجان للنشيد الوطني الأرجنتيني، أثار غضبًا كبيرًا في الأوساط الرياضية والإعلامية بالأرجنتين حيث وُصف بالسلوك العدائي والمفاجئ. وقد عبر اللاعبون المغاربة – حينها – عن امتنانهم العميق للجمهور التشيلي مؤكدين أن هذا الدعم شكل خلفية معنوية حاسمة في تحقيق أول لقب عالمي للمغرب في هذه الفئة. لكن المثير للانتباه هنا أن المغرب بعيد جغرافيًا وثقافيًا ووجدانيًا عن تشيلي، بل إن كثيرًا من التشيليين لا يعرفون حتى موقع المغرب بدقة. الجماهير لا تصطف بالضرورة مع الأقرب جغرافيًا أو ثقافيًا، بقدر ما تميل إلى دعم من يخلخل نظام الهيمنة القائم ويعيد توزيع الرمزية داخل الفضاء التنافسي. إن التشجيع التشيلي المثير لمنتخب المغرب يمكن تفسيره بكونه استجابة لمخيال جمعي يرى في الأرجنتين نموذجًا للتفوق وربما للاستعلاء داخل الفضاء اللاتيني، حتى وصفت أحيانًا بأنها إيطالياأمريكاالجنوبية. وفي هذا السياق يمكن فهم كيف تحول التشجيع إلى فعل رمزي يهدف إلى كسر مركز الهيمنة، أكثر مما يسعى إلى تمجيد الطرف المقابل، وهو ما استفاد منه المنتخب المغربي بسانتياغو. يضاف إلى ذلك وجود خصومة تاريخية ذات أبعاد ثقافية وحدودية بين تشيليوالأرجنتين في حالة يمكن مقاربتها نسبيًا بالحالة المغربية-الجزائرية حيث تؤطر الخصومة إعلاميًا وسياسيًا. وبالعودة إلى مباراة مصر وجنوب إفريقيا التي كان للجمهور السوسي دور معنوي في فوز المنتخب المصري بهدف دون رد، رغم الأداء المتواضع نسبيًا لمصر، يتبين أن التشجيع الكثيف لجمهور أدرار لم يكن محكومًا بمنطق رياضي صرف، وليس تشجيعًا مجانيًا، ولا يتعلق الأمر بكرم مبالغ فيه لأبناء سوس. فجنوب إفريقيا في الوعي الجماعي المغربي دولة اتخذت مواقف معادية للوحدة الترابية للمغرب، وتمثلت رمزيًا كنسخة قريبة من النموذج الجزائري. لذلك جاء التشجيع موقفًا سياسيًا وامتدادًا لذاكرة كروية مثقلة بثأر معنوي عقب إقصاء المغرب سابقًا على يد جنوب إفريقيا في كأس أمم إفريقيا السابقة. ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن جزءًا من الجمهور المغربي شجع المنتخب المصري بدافع روابط ثقافية وتاريخية معروفة. غير أن هذا الدعم لم يكن مطلقًا ولا دائمًا. فحين بدأت مصر تقترب من ترسيخ هيمنة جديدة على الألقاب، وحين صار احتمال مواجهتها للمغرب قائمًا، تحولت بوصلة الجمهور نحو تشجيع خصومها كسعي لقطع الطريق على مركز مهيمن جديد وتفادي سيناريوهات تُفرض من خارج الملعب، دون أن يُفهم ذلك بالضرورة كعداء لمصر. وقد تعزز هذا التحول بتصريحات وسلوكات مدرب المنتخب المصري التي استُقبلت في المخيال الجماعي بوصفها استفزازية ورسخت الانطباع بأن الأمر تجاوز التنافس الرياضي إلى محاولة فرض وصاية رمزية على البطولة. في هذه اللحظة أعاد الجمهور تموقعه بدافع الحفاظ على توازن رمزي داخل الفضاء الإفريقي. في المقابل، جاء تشجيع الجمهور المغربي، وخصوصًا في طنجة وباقي المدن، للمنتخب السنغالي تشجيعًا بلا شروط ولا حسابات. فقد ترسخت السنغال تاريخيًا في المخيال المغربي كمنتخب قوي ونزيه يجسد صورة إيجابية لكرة إفريقية تنافس دون ضجيج. بل إن شريحة واسعة من الجمهور كانت ترى في وصول المغرب والسنغال إلى النهائي تتويجًا رمزيًا بغض النظر عن هوية البطل. ويزداد هذا المنطق وضوحًا إذا استحضرنا معطى لافتًا يتمثل في أن أغلب الجماهير الإفريقية وجدت نفسها في المباراة النهائية تشجع المنتخب السنغالي، في حين بدا الجمهور المغربي شبه منفرد في دعمه لمنتخبه. ويمكن اعتبار هذا الاصطفاف كذلك كآلية رمزية معروفة في المخيال الرياضي العالمي تقوم على الانتصار للطرف الضعيف، أو الذي ينظر إليه بوصفه أقل هيمنة. فكلما تحول منتخب ما إلى قوة كروية وازنة، يصبح رمزًا للتفوق ويستدعي تلقائيًا رد فعل جماهيريًا يسعى إلى موازنة الكفة. هذا السلوك يتكرر حتى في كأس العالم، حيث تميل الجماهير المحايدة إلى تشجيع المنتخبات الأضعف حين تواجه قوى تاريخية كالبرازيل أو الأرجنتين. وفي هذه الحالات يكون التشجيع بمثابة تعبير عن رغبة رمزية في كسر الهيمنة وإعادة توزيع الاعتراف. من هذه الزاوية يمكن قراءة الالتفاف الإفريقي الواسع حول السنغال كاعتراف ضمني بالمسار الكروي الذي بلغه المغرب، والذي انتقل في المخيال الجماعي من موقع المتحدي إلى موقع القوة (إنجاز قطر، ألقاب بالجملة، تنظيم محكم، صورة دولة). غير أن هذا التصور الإيجابي عرف بعض الارتباك عقب الأحداث التي رافقت الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية، حيث قُرئت بعض التصرفات المرتبطة أساسًا بسلوك مدرب المنتخب السنغالي باعتبارها خروجًا عن النسق القيمي الذي يؤطر التنافس النزيه. وجدير بالذكر هنا أن هذه الواقعة جرى تطويقها رسميًا بسرعة، وبلغة التهدئة والتأكيد على أنها تصرف فردي في سياق انفعالي لا يعكس سلوك منتخب ولا ثقافة شعب، تفاديًا لأي انزلاق رمزي بين الطرفين، وحماية للمصالح العليا، وهو ما أكده البلاغ الصادر عن الديوان الملكي في أعقاب ذلك. كما تداركت ذلك بعض محتويات من يصنفون في دائرة "مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي". وبموازاة هذا النقاش الخارجي، يطرح الداخل المغربي إشكالًا سوسيوثقافيًا لا يقل أهمية، يتمثل في نزعة متكررة نحو جلد الذات تختزل المجتمع في مؤشرات وتصنيفات وكأن المغرب كيان جامد لا تاريخ له ولا مسار، وتتعامل مع الأحداث الرياضية بوصفها هامشًا بلا معنى. إن هذا الخطاب، سواء صدر عن حسن نية أو سوء تقدير، يتجاهل أن الرياضة والأحداث الرياضية الكبرى تشكل رافعة رمزية أساسية لبناء الثقة الجماعية وصياغة صورة الذات في نظر الآخر، كما لها دور اقتصادي في التنمية. وحين ينفصل النقد عن وعيه الثقافي والسياقي، يفقد عمقه، ويتحول إلى مادة قابلة للتوظيف من قبل أطراف معادية، وعبئًا رمزيًا يضعف السردية الجماعية بدل أن يغنيها. وكخلاصة، فإن كرة القدم مختبر اجتماعي حي، تُختبر فيه علاقة الناس بالهوية والاعتراف والهيمنة، وتذكرنا بأن الانتماء يبنى بقيم تحترم الذكاء الجماعي وتوازن بين الاعتزاز والنقد. وفي هذا الأفق، فإن التوجه نحو إنسانية مشتركة خيار عقلاني ومسار ثقافي واعٍ. وعوض أن يرتهن المغرب لأوهام الانتماء، فهو مدعو إلى تموقع أوضح: المغرب أولًا، الإنسانية أفقًا، والتنمية جوابًا عمليًا على كل خطاب كراهية. -طالب باحث في سلك الماستر، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأيت ملول