نهائي "كان 2025": عقوبات تطال السنغال والمغرب ولاعبين بارزين    إيقافات وغرامات قاسية... الكاف يصدر العقوبات بشأن أحداث نهائي "الكان"        عقوبات صارمة من الكاف بعد نهائي كأس إفريقيا 2025 بالمغرب    بعد انجراف للتربة.. تدخلات ميدانية تعيد فتح طريق كورنيش مرقالة بطنجة    رغم السقوط المدوي أمام الأرسنال... سيدات الجيش الملكي يرفعن راية العرب وإفريقيا في سماء    6 مليارات مشاهدة تُكرّس نسخة المغرب الأكثر متابعة في تاريخ كأس أمم إفريقيا    كريستين يشلّ حركة العبور البحري بين إسبانيا وطنجة    رد قانوني حازم من المغرب على اتهامات رئيس الاتحاد السنغالي لكرة القدم    مجلس الحسابات يكشف متابعة 154 رئيس جماعة و63 مدير مؤسسة عمومية    بعد تهديدات ترامب لإيران.. وزير الخارجية التركي يؤكد إستعداد طهران لإجراء محادثات حول برنامجها النووي    السلطات ترفع حالة التأهب بعد ارتفاع منسوب وادي اللوكوس    افتتاح السنة القضائية الجديدة بمراكش    غياب أخنوش عن اجتماع العمل الملكي يكرس واقع تصريف الأعمال    سلطات مقريصات تتدخل بشكل عاجل عقب انهيار صخري بالطريق المؤدية إلى وزان    الناظور غرب المتوسط.. ركيزة جديدة للأمن الطاقي وسيادة الغاز بالمغرب    عالم جديد…شرق أوسط جديد    المجلس الأعلى للحسابات: ميزانية سنة 2024: ضغط على النفقات رغم تحسن في الموارد مما استلزم فتح اعتمادات إضافية بقيمة 14 مليار درهم    المال العام تحت سلطة التغول الحزبي: دعوة للمساءلة    أكاديمية المملكة تُعيد قراءة "مؤتمر البيضاء" في مسار التحرر الإفريقي    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    التشكيلية المغربية كنزة العاقل ل «الاتحاد الاشتراكي» .. أبحث عن ذاتي الفنية خارج الإطار والنمطية والفن بحث دائم عن المعنى والحرية    إنزكان تختتم الدورة الأولى لمهرجان أسايس نايت القايد في أجواء احتفالية كبرى    صعقة كهربائية تنهي حياة شاب ببرشيد    العصبة الاحترافية تقرر تغيير توقيت مباراة اتحاد طنجة والكوكب المراكشي    بيت مال القدس يدعم صمود 120 عائلة    "العدالة والتنمية" يطلب رأي مجلس المنافسة حول قطاع الأدوية والصفقات الاستثنائية لوزارة الصحة    المجلس الوطني..    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    المغرب يرتقي إلى المراتب الثلاث الأولى بين الدول المستفيدة من التأشيرات الفرنسية في 2025    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    تدخل ميداني سريع لجماعة مرتيل عقب سقوط أشجارا إثر رياح قوية    المهدي بنسعيد يلجأ إلى القضاء بعد حملة اتهامات وصفها بالكاذبة والمغرضة    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية    نشرة إنذارية.. أمطار قوية ورياح عاصفية الأربعاء والخميس بعدد من مناطق المملكة    محمد شوكي مرشحا لخلافة أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار    الصين تسجّل 697 مليون عملية دخول وخروج خلال 2025    لأول مرة السيارات الكهربائية تتجاوز مبيعات البنزين    الجبهة المغربية لدعم فلسطين تعلن انخراطها في يوم عالمي للنضال من أجل الأسرى الفلسطينيين        الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية مع بوتين والوضع في الشرق الأوسط    توقعات أحوال الطقس لليوم الأربعاء    ترامب: دولة كوبا "على حافة الانهيار"    الذهب يواصل ارتفاعه الكبير متجاوزا 5200 دولار للمرة الأولى        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    كمين يسلب حياة عسكريين في نيجيريا    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    فرنسا.. الباحثة المغربية نبيلة بوعطية تحصل على جائزة أنسيرم عن أبحاثها في علم الوراثة    تافراوت تطلق أول "فرقة دراجين" لحفظ الصحة بالمغرب: استثمار في الوقاية ورقمنة للعمل الميداني    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نساء ناجيات من جحيم سنوات الرصاص بخنيفرة
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 08 - 03 - 2016

تذكر سنوات الجمر، وجحيم أحداث مارس 1973، وطاحونة عقود الاضطهاد، ومرارة الحقبة السوداء، فتتجلى أمامك قبائل آيت خويا وتغاط وبويجمان والأسماء التي ذاقت الويلات في ضيافة وحوش أوفقير وأرزاز بخنيفرة، شأنها شأن باقي أسماء المختطفين والمختفين قسرا ممن صارعوا من أجل البقاء وصمدوا أمام وحشية الجلادين وزوار الفجر، وقاوموا طاحونة الموت ورموزها الذين بقوا بمنآى عن المساءلة والعقاب، تذكرهم فتصطف أسماء نسائية كثيرة ممن داس الجلاد كرامتهن بأساليب «الاغتصاب» و»الطيارة» و»الفروج» و»الكهرباء» و«الشيفون»، أسماء مثل فظمة أمزيان (أم حفيظ)، فظمة أمزيان (زوجة علي أمزيان)، عائشة مصباح، عيدة بويقبة (زوجة محمد أومدة قائد كومندو مولاي بوعزة)، رقية بويقبة، إيطو أمزيان، فاظمة أوخلف، بقال تلا، فظمة إيطو عسيل، فظمة أعساري بويقبة، يطو محا، زينب أحرابي، أمينة سلاك وغيرهن، دون نسيان فاطمة لعجيني التي لم تتعرض للتعذيب فقط، بل لاغتصاب جماعي من طرف 7 أفراد من الجلادين، وعمرها آنذاك لا يتجاوز 12 سنة، ولم يفرح أحد عقب مغادرتها أبواب السجن لأنها خرجت وهي مصابة بالجنون وظلت على حالها إلى اليوم الذي فارقت فيه الحياة.
من هذه الصور كان لا بد من التذكير بالوجه الأنثوي لسنوات الرصاص، أي السنوات التي عرفتها المنطقة أثناء أحداث مارس1973 والتي انطلقت شرارتها الأولى من مولاي بوعزة بإقليم خنيفرة، حين عرف الجلاد كيف يطمس كرامة ضحيته وأحاسيسها وأنوثتها عن طريق قساوة المعاناة وغياهب الزنازن الغرقى وسط الأصوات الخشنة.
والتذكير الأنثوي هنا ليس فقط «احتفاء» بذكرى أحداث مارس الدموية وإنما «تخليدا» لثامن مارس، اليوم العالمي للمرأة أيضا، أي اليوم الذي لن تنسى فيه ذاكرة خنيفرة قضية المرأتين إيطو قسو وفاطمة تاوعيبات اللتين أمر إدريس البصري ب»تصليع» رأسيهما بمقص أحد باشواته لا لجرم إلا لأنهما رفضتا «هز البطن» في بيته خلال ليلة شاءت الصدف الماكرة أن تتزامن وليلة تخليد اليوم العالمي للمرأة في آخر سنة من الثمانينات، إنها نماذج فقط من نساء وشمن بتجلدهن ومعاناتهن تاريخا غريبا عن الوطن، ومن الضروري الاستمرار في التحدث عنهن من باب تقريب الأجيال من قراءة صفحة الماضي وتوثيقها قبل طيها في سبيل عدم تكرار ما جرى والتصالح مع الذاكرة باتجاه بناء المستقبل في سياق زمن الحقيقة والإنصاف والمصالحة.
وضعت حملها تحت التعذيب
من بين ضحايا سنوات الجمر والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان يأتي اسم فظمة أمزيان، الملقبة بأم حفيظ، وما لقيته هذه المرأة من أبشع أنواع التنكيل والتعذيب الجسدي والنفسي تحت ظلمات الأقبيات السرية، وكانت السلطات القمعية التي أفرجت عنها بعد أربعة أشهر من اختطافها بتغاط، عادت ذات السلطات في وقت متأخر من الليل إلى مداهمة بيتها من جديد واختطافها على خلفية فرار زوجها، وأشبعوها ضربا ورفسا بطريقة وحشية، وهي وقتها حامل، بل وانتزعوا منها طفلتها التي لم يتجاوز عمرها آنذاك ست سنوات، وفي جحيم الاعتقال، الذي دام حوالي 19 شهرا، ما بين مولاي بوعزة وخنيفرة وفاس، وضعت مولودا اختارت له من الأسماء «حفيظ»، وقد اعتبر آنذاك أصغر رضيع في تاريخ الاعتقال السياسي، والذي لم يهتم أحد من الجلادين بظروفه ولا بما يحتاجه من تغذية وملبس، ولعل من سمع حكاية أم حفيظ عقب جلسات الاستماع، التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة بخنيفرة، لن تصمد مشاعر ألمه طويلا أمام رواية هذه المرأة حول ظروف الوحشية المدمرة التي لقيتها في ضيافة جلادين لا يفهمون الرحمة، وكم بكت وهي تروي سلسلة الاعتقالات التي تعرضت لها وجحيم التعذيب الذي اكتوت به، بما فيه التهديد بالتصفية الجسدية، وأساليب الخنق ب»الشيفون» و»الصعق الكهربائي»، وطفلتها التي ظلت تجوب الشوارع دون أن تجد من يحتضنها بالنظر إلى مناخ الخوف الذي كان مخيما آنذاك على النفوس.
هددوها برمي ابنتها من الطائرة
عيدة بويقبة واحدة أيضا من المناضلات الصامدات، والتي ظلت واقفة إلى أن وافتها المنية بعد معاناة مريرة مع مرض طويل حملته من برودة ليالي الاعتقال القاسية، وهي زوجة المقاوم والمناضل محمد أومدا، وشقيقة أحمد بويقبة، أحد قادة كومندو أحداث 1973 بمولاي بوعزة، ومحمد بويقبة الذي ظل ضيفا بالديار الجزائرية، ويشار إلى أن الراحلة عيدة بويقبة من النساء الأمازيغيات الزيانيات اللائي لم ينل الجلادون من شموخهن، حتى بالرغم من ويلات الأقبيات السرية وغياهب المعتقلات الرهيبة التي «استضافتها» على مدى ثلاث سنوات وخمسة أشهر ما بين خنيفرة وميدلت تحت أبشع ضروب التنكيل وأصناف التعذيب الجسدي والنفسي، قبل ارتقاء معشر الجلادين بوحشيتهم إلى درجة حملها على متن طائرة عسكرية من نوع هيلوكبتر، ومن تم تعليقها من رجليها في وضعية متدلية من الفضاء بغاية ترهيبها عن طريق تهديدها بإلقائها على الأرض أو في البحر إن لم تدلهم على مكان زوجها محمد أومدا الذي لم تكن تعلم أي شيء عن مكانه، وفي كل سؤال كانوا يوجهونه إليها كان يصطحبونه بصفعة خشنة على وجهها النحيل.
وبعد الإفراج عن عيدة بقانون الاستمرار في مراقبة تحركاتها، وجدت نفسها في دوامة من التيه والبؤس جراء إقدام زبانية الأجهزة القمعية على نهب وإتلاف كل ما كانت تملكه من متاع وأثاث، بالتالي أن جميع أقاربها ومعارفها وجيرانها تنكروا لها من شدة الخوف، تجنبا لأي عقاب جهنمي قد ينزل عليهم من جانب «علوج» السنوات الحالكة، خصوصا في عودة زوار الفجر لاختطاف ابنتها بالتبني فاطمة أعساري، واعتقالها في ظروف سيئة بأمر من الكولونيل أرزاز، دونما أن يشفع له عمرها الذي لم يتجاوز آنذاك 12 سنة في شيء من طرف الجلادين، كما اختطفوا شقيقتها رقية بويقبة في إنزال مكثف طوق الحي بكامله.
صلبوها على شجرة في الخلاء
فظمة أعساري، أو فظمة بويقبة، ابنة محمد أومدة بالتبني، وهي أصغر أنثى يُزج بجسدها الناعم في طاحونة الرعب لمدة تسعة أشهر، وعمرها لا يتجاوز 12 سنة، وقد عمد زبانية أوفقير وأرزاز إلى ترهيبها هي أيضا من على طائرة عسكرية في محاولة منهم لابتزاز أي معلومة من أمها قد تقودهم لمكان محمد أومدا، ولما لم يحققوا مبتغاهم الجنوني عمدوا إلى نقل فظمة صوب غابة «عاري أوحيدوس» وصلبها هناك على غصن شجرة لم يتحملها فانكسر وسقطت على الأرض بقوة، وأصيبت إثر ذلك برضوض وكسور لم تندمل آثارها بسهولة، ولا زالت فظمة تتذكر بوضوح شديد الساعات التي كان فيها الجلادون يعذبون والدتها أمام أعينها، وبعدها بأشهر أفرجوا عن البنت واحتفظوا بالأم في غياهب الظلمات.
وإلى ذلك لم تصل أيادي الجلادين لمحمد أومدا الذي استطاع، ومجموعة من رفاقه، عام 1975، مغادرة تراب الوطن باتجاه الأراضي الجزائرية، وهناك ظل لاجئا إلى أن وافته المنية عام 1986 بعد صراع طويل مع مرض ألم به ودفن هناك غريبا عن وطنه الذي كان غارقا يومها، بفعل جلاديه، في جحيم من انتهاكات حقوق الإنسان.
أعدموا زوجها ليلة عيد الأضحى
امرأة أخرى هي فاظْمَة أوخلف زوجة الشهيد احماد عسيل المعروف ب»احديدو» الذي نُفذ فيه حكم الإعدام ليلة عيد الأضحى المتزامن ويوم 30 غشت 1973 على خلفية أحداث مارس 1973، أو ما يعرف بأحداث مولاي بوعزة التي عاشت في ظلها عدة مدن مغربية آنذاك حالة استنفار مصحوبة بموجة قمع واسعة وحملات تمشيط واختطافات واعتقالات تعسفية، ومحاكمات غير عادلة، وإعدامات خارج نطاق القضاء.
وفاظمة أوخلف امرأة ظلت صامدة رغم ما عانته في جحيم طواحين القهر والإذلال من أجل إجبارها على إرشاد العساكر إلى مكان زوجها الذي لم تكن هي نفسها تعلم بمصيره، وقد اختطفت معصوبة العينين ومكبلة اليدين إلى حيث تعرضت لأبشع أشكال التعذيب والتنكيل الموجع والمتوحش على مدى تسعة أشهر قضتها بين ظلمات الثكنة العسكرية لمولاي بوعزة ومعتقل «الكوربيس» بالدار البيضاء حيث تم نقلها وعدد من أفراد أسرتها، بينهم ابنان بقي ثلاثة من أشقائها عرضة للتشرد، ولم يتوقف الجلادون عن تعذيب جسدها الأنثوي، قبل الإفراج عنها لتجد نفسها أمام مسؤولية حياة أبنائها الخمسة بعد قيام السلطة آنذاك بحرق وهدم منزل الأسرة وإتلاف ممتلكاته، واضطرت للعيش على صدقات المحسنين بالطرق السرية المعلومة، وتنضاف إليها حكاية شقيقتها إيطو التي توفيت مباشرة بعد خروجها هي الأخرى من جحيم الاعتقال دون محاكمة، ولم تسلم شقيقة زوجها فاظمة إيطو عسيل هي الأخرى من دوامة القمع، إذ اعتقلت في مرة أولى، وبعد إعدام شقيقها اعتقلت ثانية يوم نزعوا منها طفلتها واقتادوها إلى حيث قضت عدة أشهر في ضيافة الظلام والتعذيب.
بعد الإفراج منعوها من دخول بيتها
اسم أنثوي آخر جرفته الآلة القمعية، يتعلق بإيطو أمزيان، زوجة المعتقل السياسي السابق سيدي محمد أمزيان، وهي من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان إبان أحداث مارس 1973 بخنيفرة، وقد جاء اعتقالها هي كذلك في سياق موجة القمع التي استهدفت المنطقة، آيت خويا أساسا، حيث داهمت القوات العمومية بيت شقيق زوجها علي أمزيان، ولما لم يعثروا على هذا الأخير اعتقلوا زوجته فظمة وشقيقه امحمد، قبل اعتقالها هي الأخرى حيث احتجزوها وأذاقوها تنكيلا شرسا بعد أن فتشوا البيت وعبثوا بمحتوياته، واقتادوها معصوبة العينين إلى مركز للمياه والغابات بمولاي بوعزة، ومنه إلى مكان مجهول بفاس، ثم أعادوها إلى حيث تم الزج بها في ظلمات زاوية بثكنة للجيش قضت بها أزيد من خمسة أشهر، وبعد الإفراج عنها رفضت السلطات السماح لها بالعودة إلى منزلها، ونصحها أحدهم بالزواج من رجل آخر مقابل التخلي عن زوجها سيدي محمد أمزيان بدعوى أن هذا الأخير سيندثر في السجن، وظلت رافضة لأي بديل عن زوجها، ولما عادت السلطات ورخصت لها الالتحاق بمنزلها الذي وجدته عاريا من محتوياته، طالبتها هذه السلطات بعدم مغادرة المدينة إلا بترخيص مع التوقيع اليومي بسجل خاص.
اعتقلوها وفصلوها عن ابنتها
فاظمة عسيل امرأة أخرى تعرضت للاختطاف القسري إبان سنوات السبعينات القمعية من منطقة أزغار بإقليم خنيفرة، وتم وضعها بإصطبل لخيل الجنود ومنه إلى حيث قضت أكثر من سبعة أشهر رهن الاعتقال، مابين مولاي بوعزة وثكنة خنيفرة تحت أبشع أنواع التعذيب والترهيب الجسدي والنفسي والصعق بالكهرباء على يد زبانية زنازن سنوات الرصاص الذين لم يفلحوا في الوصول إلى مرادهم المتمثل في بلوغ مكان شقيقها احماد عسيل، وزادوا فنزعوا منها طفلتها (خدوج عبيدي)، ذات ستة أشهر من عمرها، وسلموها دونما شفقة أو رحمة لأحد المستشفيات الذي عادوا فأخرجوها منه ووضعوها بين يدي قريب، حيث بقيت شبه يتيمة إلى حين قضاء والدتها لمدة اعتقالها.
والفقيدة هي شقيقة احماد عسيل (المدعو احديدو) الذي حكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص، في غياهب السجن المركزي بالقنيطرة، فجر فاتح يونيو 1973، رفقة آخرين من أمثال موحى والحاج أمحزون وعمر دهكون وغيرهم، كما هي صهرة فاظمة أوخلف (زوجة احماد عسيل) التي قضت بدورها تسعة أشهر مابين سجون خنيفرة ومولاي بوعزة ودرب مولاي الشريف.
رموا رفيق عمرها بالرصاص فجراً
أمينة سلاك زوجة موحى والحاج أمحزون الذي سقط رميا برصاص، كانت قد اعتقلت هي وابنها الرضيع، مصطفى أمحزون، بتاريخ 7 مارس 1973، والساعة على مشارف الفجر، ولم يفت آلة الاضطهاد شحن كل من بالبيت، ربيبها حسن أمحزون ومحمد أمحزون وآخرين، والجميع ليلتها بمنطقة ايتزر آيت أوفلا، ببيت ابنة الشهيد بمناسبة ازديان فراش هذه الأخيرة بمولود، في حين لم يتم القبض على الشهيد إلا في مساء اليوم الموالي، حيث تم نقل الجميع على متن طائرة مروحية إلى ثكنة بمولاي بوعزة، وهم معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي، وهناك بدأ جحيم الترهيب والترويع والتنكيل بشتى الأساليب، من الضرب، إلى «الشيفون»، الصدمات الكهربائية، وكان قائد الحملة الجهنمية الكولونيل أرزاز، رفقة الليوتنان غزال وبعض رجال الدرك، يسألون المعتقلين عن أشياء لا علم لهم بها.
وكم كان الجلاد متصلبا في رفضه السماح لأمينة سلاك بإرضاع وليدها مصطفى، وفي اليوم الموالي نقل الجميع إلى مركز مولاي بوعزة، باستثناء الشهيد موحى والحاج الذي نقلوه على متن طائرة مروحية باتجاه فاس، حيث زج به في زنزانة رهيبة، وظل تحت رحمة التعذيب إلى حين تم نقله إلى القنيطرة ليتم تقديمه أمام المحكمة العسكرية التي قضت بإعدامه رميا بالرصاص في صباح باكر من يوم 2 نونبر 1973، ووقتها كانت أمينة تحت التحقيق، وكل أسئلة الجلادين تصب في محاولة التعرف على تفاصيل حياة زوجها ورفاقه وتحركاته، وكلما أظهرت جهلها نزلت عليها الضربات الخشنة بشتى الألوان الوحشية.
وبينما تم نقل المرحوم حسن أمحزون ابن الشهيد موحى والحاج إلى مقر للدرك بضواحي مكناس، التقى هناك بأخويه حمو، الذي كان يعمل بالقوات المساعدة بالحاجب، وبوعزة الذي كان يعمل بالجيش بإفران، ومن ثم حملوا جل أفراد أسرة الفقيد موحى والحاج أمحزون على متن طائرة عسكرية باتجاه «الكوربيس» بالدار البيضاء، ومنه نقل بعضهم إلى درب مولاي الشريف، حيث التقوا بالوالد وبالشهيد عمر بنجلون وآخرين، وقضوا 11 شهرا ب «الكوربيس» تحت أشكال مختلفة من المعاملات اللاإنسانية والحاطة بالكرامة، ومن هنا إلى السجن المدني بمكناس حيث زاد فقضى مدة سنة ونصف، وكانت أمينة وباقي أفراد أسرتها المعتقلة قد نقلوا وقتها إلى خنيفرة المدينة، حيث توالت لعنة الاستنطاق والتعذيب، وقام الجلادون بتسليم رضيع أمينة لجده بقاسم سلاك لتظل أمه رهن الاعتقال لمدة أربعة أشهر تحدتها بصبر وصمود وإصرار من أجل البقاء.
اختطفوها بأبنائها وهي حامل
كل حديث عن نساء سنوات الجمر والرصاص وآلامها، يحضر اسم يطو محا، أرملة المناضل والمقاوم أمهروق أمزيان، هذه التي تجالسها فتستعيد بمرارة جارحة تفاصيل سنوات اعتقالها إبان موجة أحداث مارس 1973 بمولاي بوعزة، إقليم خنيفرة، هي وأبناؤها الثلاثة، المهدي، فاظمة وجميلة، ورابعهم كان وقتها في رحمها، والذي ستضعه فيما بعد وليس سوى أنثى اختارت لها من الأسماء مريم، إذ بعد مداهمة بيتها وتفتيشه من طرف قوات الرعب، تم اقتيادها إلى مركز «عين نوال» بالكعيدة، حيث تم استنطاقها في ظروف لا إنسانية، لم تسلم فيها من أشكال التعذيب المرير أمام أعين أبنائها، قبل نقلها نحو مركز مولاي بوعزة حيث مكثت به عدة أيام من القمع النفسي والجسدي، ليتم تحويلها باتجاه مدينة خنيفرة حيث تم الاحتفاظ بها، رفقة أبنائها الثلاثة في حياة يمتزج فيها الجحيم بالبرودة.
بعد ذلك نقلت يطو محا إلى مدينة فاس ليستمر اعتقالها تحت شتى أنواع التعذيب (الشيفون، الطيارة، الكهرباء...)، في محاولة من الجلادين لانتزاع معلومات تجهلها، ومنها النشاط السياسي لزوجها، وبعد أربعة أشهر وسبعة أيام خلف الزنازن والظلمات، مكبلة اليدين ومعصبة العينين، تم الإفراج عنها دون محاكمة، وحتى وهي خارج أسوار المعتقلات المعتمة التي لم تتخلص من آثارها النفسية والجسدية، فرضوا عليها الإقامة الجبرية ببيت والدها، بعيدة عن أبنائها الذين ظلوا أشبه ما يكون باليتامى، عرضة للتيه بين بيوت بعض الجيران والمعارف، قبل اعتقال زوجها وإحالته على المحكمة العسكرية بالقنيطرة، حيث تم الحكم عليه بتاريخ 30 غشت 1973 بعشرين سنة سجنا نافذا، قضى منها سبع سنوات وستة أشهر، كانت فيها يطو محا بدون معيل وهي امرأة ضعيفة مكسورة الجناح.
(*) إعلامي وحقوقي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.