حلت قبيل أيام الذكرى الأربعينية لرحيل الفنان المبدع محمد نبيلي. الراحل أتى العالم دون «هوية». لكنه نحت هويته بالمادة واللون ليصبح أحد أبرز العلامات التشكيلية مغربيا وعربيا. مثلما اهتم إنسانيا بالأطفال الذين يعانون من نفس جرح طفولته، فأسس مؤسسة لرعاية أطفال الشوارع. آخر معرض لنبيلي كان معرضا جماعيا احتضنته المحمدية في ماي/ يونيو 2012. وفي تقديمي للمعرض، كنت قد كتبت مسائلا منجز الراحل ومن معه: «يغيب النور أو يُغيّب (في الأعمال المعروضة)، تغيب المادة أو تُغيّب، لكن آثارهما تستحضر، دائما وأبدا، الفوارق بين العالمين الداخلي والخارجي، لتحقق تلاؤم الأضداد على السند، وتهب العين متعة المشاركة في صياغة الحكمة التي تقترحها، حكمتها كآثار». يوم جنازة الغائب، كلف وزير الثقافة أحد مساعديه بإحصاء ما خلفه من أعمال تشكيلية حتى لا تتعرض للضياع والتلف مثلما حصل مع الإرث الفني لأسماء مغربية لامعة أخرى. وهي خطوة تستحق التنويه. لكن شرط أن تكتمل باقتناء الوزارة لمنجز نبيلي الموجود في مرسمه ببن سليمان، وذلك حتى لا تتعرض ذاكرة المغرب التشكيلية إلى مزيد من الثقوب. وثيقة ورحل الفنان المصطفى غزلاني يرحل الفنان ويترك محترفه على فوضى اليومي كمن سيعود توًّا بعد قهوة الصباح.. تلبث الألوان متأهبة والفرش والملاوق في نظافة مستعجلة تنتظر الاستطراد.. يرحل الفنان وفجأة نشعر أننا نقترب من حافة مّا وفي الآن نبتعد عن أخرى.. نشعر أن السؤال الهام لم نطارحه وأن الأجوبة كافة قد انتهت صلاحيتها. يرحل الفنان فيعم الصمت في جهة ما من العالم .. نقف وجها لوجه، أمامه أو خلفه سواء، نستدرج الصداقة بقوتها وبضعفها، بثقلها وبخفتها.. نجرب التوازي وكذا التقاطع.. نروم تكليم الصمت: هل أحببنا بعضنا بما يكفي وكيفما يليق ؟؟ رحلت حقا يا نبيلي.. كم تجاهرنا ، كم تساءلنا ، كم غضبنا ، كم رفضنا.. وكم تصالحنا وتوافقنا .. ببساطة تحاببنا كما تراءينا : رأيتك مترويا أو مترددا ورأيتني حاسما أو مندفعا.. رحلت أنت ، يا سي محمد، ولبثت أنا في هاهنا المكان أقارع الشهادة بالأخرى .. بما قولك وما قلت .. ما كان في حقك وما كان في حقي.. من مكاني هذا ما زلت أملك بعض القدرة على الاعتذار: عذرا، فسكن مقام السكات أمام مواقف الحياة لا تطيقه طبيعتي البدوية.. رحلت من غرفة إلى غرفة .. ثم جاءت يد تدبر للضوء مصبا وللهواء مجرىً.. ثم تمسح على أشيائك البسيطة ؛ الحذاء الصيفي، المذكرة الجلدية، النظارات ، المرمدة، علبة السجائر... تمسح على مربعات الزليج، على زجاجة الساعة الحائطية.. تتبع خيوط الكف، تتابع التواءات الوشم.. تلك اليد ترتب الأشياء من جديد لمقارعة النسيان. في بهو الدار يتحدث الأبناء عن مكانة الأب في المدينة، بل في البلد كله، يتحدثون عن آخر هداياه لهم، عن آخر كلمة، عن آخر وعد.. يجددون التسابق عن حبه لهم، عن حبهم له .. يقول الابن.. تقول البنت.. يقول الابن .. بينما تشد الأم على مكانه في صمت ضاج.. في الغياب يصير المكان قابلا للتصريف الزمني. ثم تغلق اليد الباب ربما لئلا تضيع بعض العواطف، بعض الأفكار أو فقط لئلا يأتي النسيان باكرا.. في الخارج يظل أثر الحذاء الصيفي في شارع المدينة، في الحديقة المقابلة، في طرقات وتضاريس البلد.. وفي نيات هؤلاء المارين. رحل الفنان. ظل المكان طافحا بسكات ضاج، يخبِّر أن شيئا ما حدث في زمن الآن. يسترق الجميع أشياء من الجميع .. بعض من الأحلام وكثير من التذكر. يرحل ونلبث نخمش العتمة، نربث بلين رهيف على الوجه الذي كان هنا قبل هنيهة .. يرتبك الانتظار؛ الكل ينتظر الكل. إنها ورطة المكوث إزاء قهر الوقت . ننتبه فجأة، أن كل لطخة، كل إيماءة، كل خدشة.. ليست إلا معاودة الترميم. كيف يكون لنا كل هذا النَّفس الموغل ولا نتسع لبعضنا، للآخر، للعالم؟ الفن لا يفيد البقاء على قيد الحياة في شيء، بل يفيد الحياة.. يرحل الفنان وبقدر ما يشتد النزول في جهة يشتد السمو في جهة أخرى.. بقدر ما تترع ضفاف كان، فكان، فكان.. تتسع ساحات لو، فلو، فلو.. بقدر ما يتوغل الانسحاب من الحياة، تُكبر اشتغالها بالاستحضار.. إنه بعض من رحيل الأنبياء. أما نحن فما نزال نَركب الحلم نكاية بالكذب المفرط، بالأنانية المفرطة، بالانتهازية المفرطة، بالتسلط المفرط .. ماضين دون التفات.. تجاه.. تجاه الظل مثلا. خبرني، سي محمد، أليس الظل هو مسكن الحقيقة المفضل؟ عشت نبيلي، رحلت نبيلي وستدوم نبيلي.. الفنان الحقيقي لا ينجز لوحات تحت الطلب أجري هذا الحوار مع الفنان المرحوم محمد نبيلي سنة 1994 ، على هامش معرضه بقاعة نظر بالدارالبيضاء بعد عودته من فرنسا. ولذا يجب ربطه بلحظته الزمنية نظرا لما طرأ من تغيير في مجال التشكيل بالمغرب لاحقا. وكنت قد كتبت، حينها، التقديم التالي للحوار: دشنت قاعة نظر بالدارالبيضاء افتتاحها لهذا الموسم 1994- - بتجربة تشكيلية للفنان نبيلي، وهي تعتبر من أهم التجارب الحداثية بالمغرب، وإضافة جديدة لم تقتصر فقط على ما هو محلي، بل تجاوزته لما هو كوني في بعده الثقافي والفني، استنادا على مرجعية معرفية بالتاريخ الإنساني وعلاقته بالتشكيل كجنس من بين أقدم أجناس التواصل، فهذه التجربة بمثابة تجاوز للمفهوم الكلاسيكي للوحة، وتكسير نسق الروتينية المبتذلة على مستوى العرض والتلقي، ودعوة مجددة لإعادة النظر في مشروع هيكلة صياغة المضامين والمواضيع المرتبطة بهذا المجال الفني. حاوره: شفيق الزكاري من خلال معرضك الحالي و بالمقارنة مع حجم معرض السنة الفارطة، نلاحظ تفاوتا على مستوى الأهمية من حيث التنظيم وطريقة العرض، إذن ما هو السبب الآن في غياب هذه الجوانب الإيجابية خاصة وأن طبيعة العمل تفترض التغيير خضوعا لقانون التطور؟ إن مشروع معرض بحجم أهمية معرض السنة الماضية يقتضي فترة طويلة للتفكير والتنظير، وإمكانيات مادية ضخمة للإنجاز والتنظيم. فالفرصة التي أتيحت لي سابقا بمدتها الزمنية وإمكانياتها المادية المشجعة هي التي كانت سببا أساسيا في اختيار أسلوب متطور في العمل الشيء الذي لم أتوفر عليه من خلال معرض هذه السنة، فاقتصرت فقط على اختيار أعمال أنجزتها فيما قبل بعد تحديد فترة العرض التي لم تتجاوز فيها ترتيبات التنظيم شهرا واحدا. نلاحظ أن المراكز الثقافية الأجنبية تولي اهتماما بالغ الأهمية بتنظيم معارض لفنانين مغاربة، وتسخيرها ميزانية ضخمة لتدعيمها بالمقارنة مع القاعات الخاصة، ترى ما هو السبب في هذا الدعم؟ وكيف تفسر الإطار العام للمنافسة بين هذه المراكز والقاعات الخاصة؟ بالنسبة لي، وانطلاقا من تجربتي الفنية، فإن المشكلة لا تكمن في هذه المنافسة ما دامت تسعى لإبراز الطاقات، بقدر ما تكمن في اختلاف العقليات ومناهج التسيير، لأنه في بعض الأحيان قد تصادف مديرا لمركز ثقافي ما ليست له رغبة في تنظيم أي عرض من هذا النوع والعكس صحيح، وهذا راجع لاختلاف الرؤية وكيفية تقييم الأشياء حسب تكوين ومرجعية كل شخص، ولهذا كانت موافقة المركز الثقافي الفرنسي بالخصوص على تقديم تلك التجهيزات في السنة الماضية موافقة نابعة من إحساس مرهف لشخص معين، له علاقة بمعرفة تامة بأهمية هذا المشروع المتعلق بالرمز والعلامة والكتابة والبصمة، لذلك خصصت ميزانية ضخمة استعملتها في نقل نوع خاص من التربة وبالتحديد من منطقة الراشيدية، لإنجاز هذا التجهيز في أحسن الظروف، والتصرف في فضاء القاعة بكل حرية، الشيء الذي تفتقد إليه القاعات الخاصة في تعاملها مع الفنانين إذا ما استوجب الأمر ضرورة التغيير بتدخلنا في فضاءاتها بحكم طبيعة الفكرة، ولذلك قررت أن أجعل من ورشي فضاء مناسبا لاستقبال الفنانين وخاصة من لا يملك أمكنة للاشتغال منهم، وقاعة لعرض الأعمال في نفس الوقت مع تصرف تام وبكل حرية في تجهيزها واستغلالها حسب متطلبات الفكرة وصياغتها، حتى نتمكن من تجاوز الرقابة المفروضة من طرف القاعات الخاصة على حرية تصرف الفنان في فضاءاتها. شهدت الساحة التشكيلية المغربية مؤخرا تحولات مهمة على مستوى الاتجاهات، ارتد من خلالها بعض الفنانين عن أساليبهم المعهودة، ونمطية موضوعاتهم، بالتحول من التجريد إلى التشخيص، بينما اهتم البعض الآخر وأنت واحد منهم، بما هو تجريدي دون أي اعتبار لهذه التحولات، فهل يمكن اعتبار تجربتك بالخصوص بتناصها المشهدي امتدادا للمرحومين الشرقاوي والغرباوي، أم هي إعادة نظر في تجاربهما الماضية ؟ في الواقع لم يسبق لي أن تعرفت على أعمال الشرقاوي والغرباوي، ولم أسمع عنهما قط إلا في سن متأخر، وجهلي لهما راجع لسبب بسيط يكمن في طبيعة تكويني، فمعرفتي لهذين الفنانين كانت عن طريق ملاحظات بعض المهتمين واستحضارهم لبعض العناصر التي تلتقي بمكونات تجربتي في إطار اللاشعور الجمعي، لأن معظم الأساتذة الذين تلقنت على أيديهم كانوا من الأجانب باستثناء أستاذ مختص في تدريس اللغة العربية، وبعد رحلتي إلى المهجر أكملت دراستي في غياب معطيات لها علاقة بالتراث المغربي، لأن المناهج المتبعة والاهتمام كان منكبا هناك فقط على تعلم التقنيات وعلى استيعاب تاريخ الفن الغربي وليس العربي أو المغربي، وأثناء دراستي صادفت تجارب لفنانين غربيين استوحت مكوناتها من التراث العربي، نتيجة زيارتهم لشمال إفريقيا بما فيها تونس، الجزائر والمغرب. وفي هذه اللحظة فكرت في الاشتغال على ما هو مغربي عربي كمنبع لأصالتي بعدما اكتشفت وبالصدفة أنني لم أبتعد عن نوعية هذه الاهتمامات، رغم محاولاتي فيما قبل الاعتماد على ما هو إنساني مرورا بمجموعة من الحضارات (الأنكا والأسطيك) إلا أنها تلتقي في النهاية كصدفة كونية بالوشم المغربي و رموز الشعوب الأخرى. بعد قدومك من فرنسا و استقرارك بوطنك، ومعاينتك للأنشطة والعروض التشكيلية، هل يمكن وباختصار تقييم الوضعية التشكيلية بالمغرب ؟ من الصعب أن نتكلم عن هذه الوضعية في ظرف وجيز، لكن تجدر الإشارة إلى أن المغرب أصبح عاصمة و ملتقى للفن والفنانين العرب، غير أن الجانب المقلق هو اهتمام الفنانين بتقنيات معينة بمنحى عن التركيب الإبداعي باستثناء القليل طبعا، فهناك من سخر هذه التقنيات لإنتاجات تحت الطلب، بحكم وضعيته المزرية لتلبية الضروريات المعيشية، وهناك من استعملها فقط للمزيد من الإثراء دون أي اعتبار لتطوير الحركة التشكيلية المغربية، وأظن في آخر المطاف، أن المبدع الحقيقي لا يمكن أن يتخلى عن رسالته مهما كانت الظروف. المحمدية 27 نونبر 1994 من يحمي العلامة بعدك؟ سعيد رباعي عن سن تناهز الستين سنة، فارق المبدع التشكيلي محمد نبيلي الحياة. رغم كل شيء مُر مَر بيننا، لماذا الغياب؟ لماذا أنت بالذات؟ ولماذا لم تقدر حجم خسارتنا بفراقك يا حارس العلامة؟ تعرفت عليه فنانا مبدعا مخلصا لفن آمن به حتى الهوس، وحتى الجنون... شدني كثيرا حين عايش رمال الجنوب بحثا عن شيء تبقى من محمد خير الدين. كتبت عنه يومها ونسيت ما كتبت، كما هي العادة جريا وراء الغد، ولم يعد لمحمد نبيلي غد، للأسف ويا للخسارة! عاشرت محمد نبيلي عن قرب لمدة، أمحو الآن تحديدا كل آلامها، ولا أُبقي سوى على لقاء الصباح وبسمة الصباح وقهوة الصباح. عرفت فيه فنانا مؤمنا بالفعل الفني درجة الهيام. يستيقظ مبكرا ليُغلق عليه فضاء عمله الذي كان يسميه الإمارة، ويقضي صباحه كله في مداعبة العلامة والرمز والأمارة بكل الخشوع الذي تتطلبه العبادة. محمد نبيلي فنان رقيق في مجاورة ألوانه: يُزاوج ألوانا يصعب أن يزوجها غيره، ما جعله سيد البرتقالي والأزرق والأصفر. محمد نبيلي فنان دقيق في اختيار مواضيعه: حركته العلامة الأمازيغية وعاشها وعايشها بكل جراحها يوم كان الكثيرون منا يرمون فوقها كل غبار النسيان... علما بأن جذوره ليست بالأمازيغية، ما يعني أنه عاش مغربيته كلها. عاش محمد نبيلي انتماءه الإفريقي من خلال الاهتمام بالأقنعة والاشتغال عليها فنانا ومُجَمعا. وكان شديد الارتباط بالزنوجية يوم كان آخرون منا لا يرون فيها سوى مصدر ومورد للعبودية. لم يكن محمد نبيلي يتخلف عن معرض لأي فنان مغربي دون اعتراف بكناش الحالة المدنية. كان يحضر ويُبدي رأيه بكل صدق وبكل جرأة وبكل قساوة أحيانا. كان فنانا! عاش فنانا ومات فنانا! الأعزاء ياسين، يونس، غيثة وعبد السلام: عزاؤنا واحد، خسارتنا كبيرة وتأكدوا أن السي محمد لن يرحل لأنه حارس العلامة في زمننا التشكيلي. ومضات .. نبيلي محمد بوجبيري «ما ودَّعك ربك وما قلى». هكذا خاطب الرَّحْمَن من الأعالي السرمدية نبيه الأمين فأواه. أكيد فعل ذات الشيء مع الطفل نبيلي، إذ حين وجده يتيما أخذ بيده، ونفخ في روحه ما يكفي من إرادة وطموح ليجتاز مطبات الطريق ، وعراقيل المحن . بدأ من العدم ليصعد على مهل سلم المجد ، ويشيد لنفسه صرحا باذخا في مملكة الجمال. إن المتأمل لتجربته في الحياة لا يملك إلا أن يُكِنَّ له كثيرا من الاحترام والتقدير، إذ من مجرد صفر في تعاسة اليتم والملجأ استطاع أن يكون رقما بالبند العريض، ووشما لا يُمحى من ذاكرة الفن التشكيلي المغربي . جال في عدة جغرافيات، وساعده فن الحف، الذي تعلمه ضمن الأشياء الكثيرة التي تعلمها وحذَقها، على الحفر بما يكفي من ذكاء في ثقافات تلك الشعوب التي خبرها بالمخالطة والتعايش فاستوحى منها رموزا وعلامات تحولت إلى أيقونات دالة وحاملة لكل ذلك الإرث الحضاري المضيء. ربما كان ابن اللوحة كما يلقب بهذا الحفر والتنقيب المتواصلين فيما هو رمزي يود جوابا عن سؤال أنطولوجي قديم طرحه في بداية مشواره الفني: «من أين جئت؟». من يحمي العلامة بعدك؟ سعيد رباعي عن سن تناهز الستين سنة، فارق المبدع التشكيلي محمد نبيلي الحياة. رغم كل شيء مُر مَر بيننا، لماذا الغياب؟ لماذا أنت بالذات؟ ولماذا لم تقدر حجم خسارتنا بفراقك يا حارس العلامة؟ تعرفت عليه فنانا مبدعا مخلصا لفن آمن به حتى الهوس، وحتى الجنون... شدني كثيرا حين عايش رمال الجنوب بحثا عن شيء تبقى من محمد خير الدين. كتبت عنه يومها ونسيت ما كتبت، كما هي العادة جريا وراء الغد، ولم يعد لمحمد نبيلي غد، للأسف ويا للخسارة! عاشرت محمد نبيلي عن قرب لمدة، أمحو الآن تحديدا كل آلامها، ولا أُبقي سوى على لقاء الصباح وبسمة الصباح وقهوة الصباح. عرفت فيه فنانا مؤمنا بالفعل الفني درجة الهيام. يستيقظ مبكرا ليُغلق عليه فضاء عمله الذي كان يسميه الإمارة، ويقضي صباحه كله في مداعبة العلامة والرمز والأمارة بكل الخشوع الذي تتطلبه العبادة. محمد نبيلي فنان رقيق في مجاورة ألوانه: يُزاوج ألوانا يصعب أن يزوجها غيره، ما جعله سيد البرتقالي والأزرق والأصفر. محمد نبيلي فنان دقيق في اختيار مواضيعه: حركته العلامة الأمازيغية وعاشها وعايشها بكل جراحها يوم كان الكثيرون منا يرمون فوقها كل غبار النسيان... علما بأن جذوره ليست بالأمازيغية، ما يعني أنه عاش مغربيته كلها. عاش محمد نبيلي انتماءه الإفريقي من خلال الاهتمام بالأقنعة والاشتغال عليها فنانا ومُجَمعا. وكان شديد الارتباط بالزنوجية يوم كان آخرون منا لا يرون فيها سوى مصدر ومورد للعبودية. لم يكن محمد نبيلي يتخلف عن معرض لأي فنان مغربي دون اعتراف بكناش الحالة المدنية. كان يحضر ويُبدي رأيه بكل صدق وبكل جرأة وبكل قساوة أحيانا. كان فنانا! عاش فنانا ومات فنانا! الأعزاء ياسين، يونس، غيثة وعبد السلام: عزاؤنا واحد، خسارتنا كبيرة وتأكدوا أن السي محمد لن يرحل لأنه حارس العلامة في زمننا التشكيلي.