الأداء السلبي ينهي تداولات بورصة الدار البيضاء    ثلاثة قتلى في غارات على جنوب لبنان    مقر منظمة السياحة يقترب من المغرب    "قطب الجهات" بملتقى الفلاحة.. تنوع مجالي يعزز السيادة الغذائية بالمغرب    مزبار: انتشار خطاب "كلهم متشابهون" يُهدد الثقة في العمل السياسي برمته    المسرح الملكي بالرباط يجسد رؤية الملك محمد السادس لمستقبل "مدينة الأنوار"    تحديث إدارة الجمارك في صلب مرسوم جديد لتعزيز مواكبة التجارة الدولية    تعيينات جديدة في مناصب عليا تشمل قطاعات الصحة والطاقة وحقوق الإنسان    عملية أمنية تسقط 14 شخصا بباب تازة    مضيان يعلن عزمه الطعن بالنقض بعد تأييد الحكم الاستئنافي بالحسيمة    ترامب يأمر البحرية الأميركية بتدمير أي قوارب تضع ألغاما في مضيق هرمز    مبعوث ترامب يقترح استبدال إيران بإيطاليا في مونديال 2026 وطهران تصف المقترح ب"الإفلاس الأخلاقي"    رياح قوية وزخات رعدية مرتقبة بعدد من مناطق المملكة    نادي برشلونة يوضح إصابة لامين جمال    رسميا.. برشلونة يعلن انتهاء موسم لامين يامال    لبنان: استهداف الإعلاميين "جريمة حرب"    الولايات المتحدة تعلن إنزال قوات على سفينة مرتبطة بإيران في المحيط الهندي    الضرائب تحدد فاتح ماي آخر أجل للإقرارات السنوية وتدعو الملزمين إلى التسوية    جمعية تُهاجم دعوات منع فيلم "المطرود من رحمة الله" وتدعو لحماية حرية الإبداع    موظفو الشرطة بحرف الملحة يضطرون لاستخدام اسلحتهم الوظيفية    المغرب والهندوراس يعمقان عزلة الجزائر والبوليساريو في أمريكا اللاتينية    معهد مهن الرياضة يحتفي بالتميز الأكاديمي والدبلوماسية الرياضية    سيدي يحيى الغرب..ثانوية ابن زيدون تحتفي بديوان "فلسطينيات"    "وورلد برس فوتو".. لحظة تشبث ابنتين بوالدهما المهاجر تتصدر صور العام    غيابات وارتباطات اللاعبين تُسقط ودية المغرب والسلفادور قبل كأس العالم        بعد صور "الحريديم" بباب دكالة.. المئات يتظاهرون بمراكش دعما لفلسطين ورفضا للتطبيع    ارتفاع أسعار النفط 1 بالمئة وتداولها قرب 103 دولار للبرميل    صيادلة المغرب يحملون وزارة الصحة مسؤولية "تهديد الأمن الدوائي" للمواطنين    بارتفاع الحرارة وزخات رعدية .. اضطرابات جوية تبلغ الذروة في المغرب    إسبانيا تطلق خطة إسكان عام بقيمة 7 مليارات يورو لمواجهة أزمة السكن وارتفاع الإيجارات        المجلس الاقتصادي والاجتماعي يقترح إدماج شهادة المرأة في اللفيف وإصلاحا هيكليا لمهنة العدول ورقمنة التوثيق بالذكاء الاصطناعي    تقنين القنب الهندي: إنتاج أزيد من 19 ألف قنطار، وتسليم نحو 4000 رخصة جديدة خلال موسم 2025    مربو التعليم الأولي يصعدون باعتصام أمام الوزارة للمطالبة بالإدماج والتقاعد    الأسد الإفريقي 2026.. المغرب منصة لتدريب عسكري ذكي    الدار البيضاء تحتضن أول تجمع منظم لأسرة تحكيم السلة المغربية    براءة نيمار من الاحتيال في صفقة انتقاله إلى برشلونة                تصادم قطارين يخلف جرحى بالدنمارك    السياحة: بالرباط، تعبئة مشتركة للوزارة والمهنيون لتثمينمهن الضيافة المغربية    روابط مالية تغضب منافسين في "الفورمولا واحد"    المتيوي: المجلس الإقليمي لشفشاون سيواصل العمل بتنسيق مع مختلف الشركاء لتحقيق تنمية مندمجة وشاملة بالإقليم    رسالة إلى صديقي .. وداعاً يا صاحب الروح الطيبة        وداعا همس الورد.. وداعا ظل الفراشة .. عبد النبي دشين درويش الطريقة والطريق    أكاديمية المملكة تبحث عن نظرية معرفية بين "الإنسان والذكاء الاصطناعي"    عرض خاص لفيلم "أبي لم يمت" لعادل الفاضلي بقصر الفنون بطنجة احتفاءً بالسينما المغربية        34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    مخاوف من ظهور سلالة فرعية من متحور أوميكرون..    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    النمسا: العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال من شركة هيب    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مبدعون في حضرة آبائهم 41 : نادية القاسمي شاعرة وفنانة تشكيلية : خربشات ومكتبة أولى

كان والدي رحمة لله عليه يتقن اللغة العربية جيدا، بحكم تكوينه في المدارس العتيقة منذ طفولته، وحفظه للمتون القديمة في اللغة العربية والنحو والفقه والبلاغة واشتغاله بعد ذلك بالتعليم.
كان يتكلم باللغة العربية حتى في حياته اليومية بعد خروجه من الفصل الدراسي، مع أفراد الأسرة، وفي كل الأماكن العامة، رغم أننا كنا نعيش في مدينة صغيرة تعتبر من مدن الهامش. وهي مدينة ابن سليمان الموجودة بين مدينة الدار البيضاء ومدينة الرباط. كنت أحاول تقليده في الكلام منذ الصغر، منصتة إلى ما يقوله بتمعن وبالخصوص لغته الفصحى، التي ينطقها بلكنته الشمالية.
لقد كانت لنا مكتبة صغيرة في البيت، عبارة عن دولاب خشبي، وحقيبة خشبية بدورها تحضن الكتب. لكني كنت كلما أرادت تلميذة أن تستعير مني أحد الكتب، أرفض طلبها وأعلق رفضي بأبي، بدعوى أنه الذي يأمرني بذلك، مع العلم أن لا علم له بالموضوع.
سلكت طريق الكذب عليهن في تلك الفترة تجنبا لضياع الكتب، وتلقي عقوبة قد تكون قاسية علي من طرف أبي، أو البحث عنها عن طريق طرق أبوابهن التي لا أعرفها. وربما رغبة مني في إثبات شخصيتي، واختبار مدى قوتي على رفض ما لا يعجبني أمام الجميع كما علمني أبي، رغم أن هذا كان يشكل لي مشكلا مع بعض التلميذات اللواتي كن ينعتنني بسخرية: “هي بنت أبيها.”
كنت بعلمه أو بغير علمه أجدني أقلب صفحات كل كتاب على حدة، وأنا لا أفهم ما فيه. خاصة أنني كنت شديدة التربص بخروجه، لكي أجد نفسي منتشية بتلك اللحظات الطفولية الجميلة بشقاوتها في عالم أكبر من سني.
بمجرد سماعي لوقع خطواته وهو قادم، كنت أسرع وأخفي ما كان بين يدي خلف ظهري، وأنا أتظاهر بالنظر إلى سقف الغرفة. لكنه كان يكتشف الحقيقة بمجرد النظر في وجهي. ساعتها يبتسم لي ، ويحدثني بكل حنو، ثم يهمس في أذني ويقول بأن العلم لا نضعه وراء ظهورنا بل يجب أن نضعه أمام أعيننا، وفي عقولنا لنشق الطريق الصعب التي أمامنا مستقبلا، وبه نكبر ونكبر أيتها الصغيرة .
ساعتها أرمي يدي وراء ظهري، وأضع الكتاب بين يديه وأعانقه، فيقول لي ما أجملك يا ابنتي “بنتي ازوينة”، مع قبلة أشتاقها الآن كثيرا. بعد سنين عرفت بأن أبي كان على علم بما كنت أقوم به تجاه ممتلكاته المعرفية. والغريب في الأمر هو أنه لم يتخذ أي موقف زجري ضدي لكي أبتعد عنها، أو أبعثرها. ربما كان يحس بأن هناك شيئا ما إيجابي وراء انغماسي في عوالمها، علما بأنه كان شديد الحرص على ترتيبها والحفاظ عليها من الضياع، وعدم اقتراب أي أحد منها.
ولكي يساعدني على القراءة القريبة من سني عوض الغوص في كتب لا أفهم شيئا فيها، كان يحمل لي قصص الأطفال، ويساعدني على استعارتها من بائع “عباد الشمس”.
مع الوقت بدأت أتعرف على مجموعة من الكتاب في عدة أجناس أدبية بمساعدته. حيث تعرفت على المنفلوطي وجبران خليل جبران وغيرهما. كل ذلك وأنا ما أزال في بداية نموي المعرفي، وتعلقي الشديد بذخيرة أبي من المعرفة.
علمني والدي كيف أحب المدرسة، وكيف أهتم بدروسي، وتشجيعي على مرافقته إلى مكتبة الحي لشراء الأدوات المدرسية ومعرفة قيمتها أثناء حملها في كيس بلاستيكي.
كان يشجعني كثيرا لأنه كان يحس برغبة في كبيرة للقراءة والمعرفة، مما دفعني بعد سنوات قليلة للتفكير في بداية خربشاتي الأولى والشروع في توثيق يومياتي. فاشتريت دفترا، وتركت العنان لأفكاري تجول كيفما شاءت في بياض أوراقه. كنت كمراهقة بدون وعي تترك يومياتها في غرفة نوم والديها فوق دولاب غرفتهما، بسبب غياب غرفة خاصة بها.
لم أنتبه لخطورة الأمر إلا عندما عوقبت لفظيا بقساوة من طرف والدتي، بسبب رفضي مساعدتها مرة في شغل البيت. إذ لمحت إلى الوقت الذي أضيعه في أشياء غير مفيدة تحتوي عليها بعض فقرات مذكراتي. فهمت بأن والدي كان يقرؤها ولم يقل شيئا لي، ولكنه كان يخبر والدتي.
ساعتها أسرعت إلى ذلك الدفتر، وبسرعة بدأت أبحث عن وسيلة للتخلص منه مخافة افتضاح أمور كثيرة بواسطة قلمي. فاهتديت إلى رميه بين ألسنة نيران فرن خاص بتدفئة الحمامات. من يومها وضعت قطيعة تامة مع كتابة اليوميات. وأعرف الآن بأنه لو استمررت في كتابتها، لكتبت مبكرا في أجناس أدبية أخرى غير المحاولات الشعرية التي كانت بعد ذلك خلاصي الوحيد للمراوغة في التعبير بطريقة غير مباشرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.