المباراة التي جمعت الجزائربالكونغو، لم يكن الحديث عن النتيجة وحدها، بل عن سقوط أخلاقي صارخ لبعض لاعبي الجزائر. فقد قام اللاعب محمد الأمين عمورة بتقليد وقفة المشجع الكونغولي ميشيل كوكا مبولادينغا، الذي اعتاد الظهور في المدرجات واقفا ورافعا يده اليمنى دون حراك طوال زمن المباراة، تجسيدا لشخصية الزعيم الإفريقي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء في تاريخ الكونغو، ثم انهار أرضا بطريقة مسرحية مستهزئا بالرمزية التاريخية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ انضم يوسف بلايلي المعروف باسم بونجاح بحركات بذيئة وغير لائقة بعد نهاية المباراة، أمام ملايين المشاهدين وعائلات وأطفال، محولا «نصرا رياضيا» بشق الأنفس إلى هزيمة أخلاقية مزرية. ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي كانت حادة وغاضبة. وفي هذا السياق كتب ناشط ليبي : «اللقطة التي تعمدها اللاعب الجزائري محمد الأمين عمورة كانت معيبة ومستهجنة، تدل على جهله بجانب مهم من التاريخ «، مضيفاً: «لو كان يعلم مغزى مشهد المشجع الكونغولي لكان توجه إليه عقب المباراة وحياه تقديرا له ولمقصده، لأنه استحضر بتلك الوقفة الرمزية شخصية المناضل الإفريقي باتريس لومومبا، الذي قاد فصلا مهما من معركة تحرير بلاده من المستعمر البلجيكي قبل أن يجري اعتقاله وإعدامه». وفي حين اعتبر ناشط تونسي أن الفيديو المنتشر والذي يظهر فيه اللاعب عمورة «لا يوثق هزيمة رياضية بقدر ما يكشف هزيمة أخلاقية فاضحة»، مضيفا أن «الجزائر انتصرت في النتيجة لكن لاعبها خسر في ميزان القيم والتربية والأخلاق السليمة». وكتب ناشط مغربي: «شاهدنا تمثالا بشريا يذكرنا بكرامة شهدائنا وشاهدنا لاعبين يصرخون بكل ما لا نريد أن نذكره. الفرق بين الخلود والنسيان». ومن جانبه كتب آخرون: «التصرفات التي صدرت عن عمورة وبونجاح تكشف ضعف الوعي وقصور الحس الرياضي، وكأنهما نسيا أنهما يمثلان بلدا لا أنفسهما». وكتب ناشط آخر: «الجهل بالتاريخ قد يكون مفهوما لكن السخرية من تجسيد الألم والذاكرة هو قرار أخلاقي خاطئ». وغرد آخر «أي أكاديمية علمت هؤلاء اللاعبين أن الاحتفال يمر عبر إذلال منافس حزين؟ أين درس الكرامة في النصر؟». وكتبت ناشطة أخرى: «الحركات البذيئة والاستهانة بمشاعر الآخر هي تعويض عن فراغ داخلي، المشجع قدم قيمة واللاعب قدم فراغا». ومع الأسف، لم يتوقف الأمر عند اللاعبين، بل انجرّ إليه بعض الإعلاميين الجزائريين، ممن اختاروا تبرير السلوك بدلا من إدانته. من أبرزهم المذيعة في قناة الجزيرة خديجة بن قنة، التي كتبت تدوينة تصب في الاتجاه نفسه الذي ذهب إليه اللاعب الجزائري، وكأنها تمنح شرعية لفعلة أثارت الاستهجان والنقد من كل اتجاه. على الجانب الآخر، كتب الإعلامي والناقد الرياضي المصري علاء عزت: «مشجع.. مجرد مشجع عرف العالم كله بقصة كفاح زعيم وطنه الكونغو من أجل الاستقلال.. نجح المشجع من خلال مدرجات كرة القدم فيما فشلت فيه كتب التاريخ ووسائل الإعلام». كما كتب آخر أن رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم استقبل المشجع الكونغولي كوكا مبولادينغا وقدم له اعتذارا عن الإهانة التي تعرض لها من اللاعبين والجماهير، مؤكدا أن هذا رد اعتبار للمشجع ودعوة لإدانة مثل هذه السلوكات المشينة التي ستبقى وصمة عار مسجلة». كما كتب الأستاذ عبدالرزاق وردة: «اعترافا بنضالات ووفاء لتضحيات الزعيم الإفريقي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد استقلالها عن بلجيكا، تحمل إحدى شوارع الرباط اسمه كأحد رموز الكفاح الإفريقي ضد الهيمنة الإمبريالية والجرائم الاستعمارية. ومن هذا المنطلق، وتقديرا لدور لومومبا في المطالبة بالحرية والاستقلال والديمقراطية، تحمل جامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو اسمه منذ عام 1961، سنة اغتياله والتنكيل بجثته». وأضاف: «لهذه الاعتبارات وغيرها ارتأى أحد المواطنين الكونغوليين منذ عدة سنوات أن يجسد شخصية الزعيم، ويقف مرتديا لباسا أنيقا بألوان راية الكونغو، رافعا يده اليمنى ومتسمرا مهما كانت مدة المباراة، تحفيزا وتشجيعا للاعبين الكونغوليين على البذل والعطاء اقتداء بصمود وتضحيات زعيمهم الرمز. ولأنه يضفي مسحة فنية على المدرجات، إضافة إلى الرسائل التي يبعثها لأبناء جلدته، في احترام تام لمنافسيهم، وإلى الأجيال التي تجهل التاريخ والجغرافيا، فقد أصبح ميشال كوكا مبولادينغا أشهر مشجع في العالم». وجاء في تدوينات أخرى: «تحية احترام وتقدير لهذا المشجع ميشيل كوكا بوقفته الأسطورية التي تخلد ذكرى باتريس لومومبا، الزعيم الذي قاوم الاستعمار البلجيكي بصلابة حتى نالت الكونغو استقلالها عام 1960. لومومبا الذي دفع حياته ثمنا لكرامة إفريقيا واغتيل بوحشية، يعود اليوم عبر هذا المشجع كتمثال حي؛ فجمود كوكا وصمته في المدرجات هو استحضار لروح المقاومة التي لم تكسرها السجون، وتأكيد على أن جسد الزعيم قد غيب لكن صموده وفكرته السيادية لا تزال حية في قلوب الأجيال». ورداً على سلوك اللاعبين الجزائريين، كتب ناشط: «اللي دار بونجاح وقبل منه عمورة، كيبين فقر فكري وانحلال أخلاقي عند بعض اللاعبين». وتساءل آخر: «وهل يستوي الذين يعلمون… والذين لا يعلمون…». وكتبت ناشطة بلهجة حادة: «لم نعد نطالب بشهادة السلامة العقلية فقط بل كذلك تقديم شهادة تثبت أنك لست حيوانا». وحظي المشجع الكونغولي كوكا مبولادينغا بتعاطف واسع بالمغرب ومن مختلف الجماهير الإفريقية، بعد الإيحاءات الخارجة عن اللياقة التي وجهها له اللاعب الجزائري عمورة بعد نهاية المباراة، وهو ما عزز من رمزيته كأيقونة تحيي تاريخ زعيم دفع حياته ثمنا من أجل الحرية والاستقلال. هكذا، صار واضحا أن ما خسره هؤلاء اللاعبون ليس مجرد احترام خصم، بل تحاوز الأمر إلى احترام جمهور قارة كاملة شاهد الفرق الفاضح بين الوقار والسخرية، بين من يخلد التاريخ ومن يسطحه. وفي زمن توثق فيه الكاميرات كل شيء، بقيت الحقيقة أكثر جلاء، كما جاء على لسان كثيرين ،اللقطات التي تسيء لا تنسى، والجمهور الذي استنكر لن يغير موقفه لأن صحفيا صفق أو لاعبا احتفل خارج كل حدود اللياقة.