لا أدعي بأني كنت قريبا كفاية من الراحل الجميل سعيد عاهد، كما أني وللأسف الشديد لم أهتم بالاطمئنان على صحته مع علمي بأنه صار يعاني في الفترة الأخيرة. ما ذا لو كنت بحثت عن رقم هاتفه بعد انقطاع طويل، ثم قمت بمهاتفته بين فترة وأخرى أثناء مرضه؟ هذا مما ألوم نفسي عليه كثيرا يوم لا ينفع لوم. ولكن الذكريات مع الراحلين تظهر فجأة بعد غيابهم، وعلى هيئة صور نابضة تخز القلب. في فترة التسعينيات كنت أرى عاهد بين الفينة والأخرى مع أصدقاء: عبدالله بلعباس ابن مدينته، وأحمد بن اسماعيل في مراكش، ومحمود عبدالغني، وعبدالله الريامي، و با دريس الخوري، وعبد الحميد اجماهري وإدريس علوش، ومحمد حجي وآخرين. كان من طبعه التواري عن الأنظار شهورا يمكن أن تمتد إلى عام، قبل أن أصادفه في أي منعطف ودائما مع أصدقاء يوميين. وأذكر أنه نشر لي قصصا في دورية كان يشرف عليها ( نسيت اسمها الآن) فإذا تصادف اللقاء به بوجود قصص في جيبي فإني رأسا أعطيها له . وعادة كنت أضع أوراقا بيضاء وقلما في جيبي، أملأها في أي مكان ..في الطوبيس.. في القهوة، أو حتى حين أقف فجأة وأنا أمشي. وإذ حلقت روح سعيد عاهد، فإن ما تركه من آثار نفيسة تظل تذكرنا به في كل مرة. يمكن أن تُذكِّر اشتغالات سعيد عاهد في البحث والترجمة باشتغالات حسن بحراوي وكتبه العديدة التي تنتظم في سياق الإمتاع والمؤانسة، إلى جانب تميّزها بالنبش في متون منسية، وترجمات قصيّة، ومحكيات متوارية قام بإحيائها وبعثها وتخصيص كتب لها. وسعيد عاهد أيضاً، في معظم ترجماته وبحوثه، يتصف بالنبش والتقصّي؛ إذ يقف القارئ عند عناوين كثيرة، من الفرنسية إلى العربية أو العكس. يكفي مثلاً أن نذكر أن نحو خمسة عناوين له تحمل توقيع «نون النسوة»، مثل كتاب «السماء تحت أقدامنا» لليلى باحساين، و»عندما يتعثر الجمل» لكاتبتَين كنديَّتَين، ورواية «الوجه الآخر للصيف» لهاجر أزل. كما ترجم كتباً ذات بعد أنثروبولوجي، مثل كتاب الدكتورة ليجي الصادر عام 1926، الذي ترجمه تحت عنوان «المعتقدات والطقوس الشعبية للمغاربة قبل مائة عام».