أسمع الله سبحانه وتعالى يقول:» ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه«.. وأرى نصيبك من اسمك في هذا الصدق المجبول من العهد الوفي. أسمع الله يقول: الذين أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون«. لا أذكر أننا التقينا في الفضاء العام أول مرة: كل ما أذكره هو بيتك، وأسرتك وحضنك الواسع الإنسان. ثم من بعد جاءت الشوارع والمقاهي والمطاعم والملتقيات. هكذا أرى الصداقة معك. كان منطقيا أننا التقينا قبل بيتك: التقينا في صفوف الشبيبة، قليلا، وفي دروب الشعر والسهر إلى منتصف الروح. التقينا في الندوات وفي حلقات الأصدقاء المفقودين والأرواح الثملة… لكن لا أذكر سوى بيتك، وبيت صباح بلعباس ..وشقيقها! ثم جاء العالم من بعد بيتك ..جاءت تجربة ليبراسيون: لولاك ما كنت أدخل المغامرة.ولولاك لما اقتربت من »وشوشات» عبد الرحيم بوعبيد السياسية وتحاليل محمد اليازغي الأسطورة الحية في ذهن الشاب الاتحادي الذي حطه قطار من عل، ولولاك، لما جربت المهارة في الحظ اللغوي، ولولاك لما عرفت دروب اللغة، في تجاويف الميتافيزيقا، ولما تعرفت على نعيمة سميح. وعبد الفتاح كيليطو . وعبد الله الريامي وجلال الحكماوي ومحمد الحياني ومحمد خيي وبسطاوي ويوسف فاضل ..كنت الصداقة في روعتها والأخوة في تجردها: أنا لن أستسلم للبداهة في العبارات المسكوكة وأقول كنت أخي الذي لم تلده أمي: أنت أخي الذي ولدته أمي .. من رحم أمك رحمها الله. بالرغم من شبابنا الجامح، وماديته التاريخية كنا نبني جنة سنطرد منها بكل الأناشيد والزغاريد الأيديولوجية والأحجيات: ثم كان ليل وكان شك وكان ضياع وكانت عودة إلى حضن واحد، في الجريدة مجددا:تجربة الاتحاد الطويلة الندية والقاسية والمترفة بالصداقة والعنفوان والتوترات والطقوس الملتهبة.. والأدب والثقافة والشهداء! حصل أن اختلفنا من يكون أجدر بالكتابة عن الشهيد المهدي، هل تذكر؟ من حسن حظنا لم نختلف حول .. الأحياء!!! ولولاك ما كان لي أن أكون أنا.. تصرفت فينا الأزمنة: لكنك بقيت مصرا على نقائك. تصرفت فينا الأيديولوجيا : لكنك بقيت وفيا لطيبتك… تصرفت فينا التقلبات لكنك بقيت البسيط العفيف الشفيف الشريف، الكتوم: العزيز السهل الممتنع العالم الذكي البسيط البسيط المضاعف الطيب. الخلوق الصموت.الذكي اللامع. المسالم. في السياسة، عشنا معا تجربة جيل. كان يجد المعادلة المرحة: بين المعرفة والثورة، والقصيدة والكلمة. والغرابة. والوفاء: مرة صرخنا: لا نريد أن نكون وزراء نريد أن نكون شهداء! سبقتنا إلى رصد التغير الذي صدأت به الأفكار والعلاقات، امتلكت القدرة على أن تغادر أي هواء موبوء: لا تفكر في الحيوانات(| وتقوول ) إلا من باب المزاح الصامت حينا والشامت كثيرا! في الأدب: وجدت الإقامة بين بلاغتين، الفرنسية والعربية. كما يجلس الهواء العليل بين كرسيين. وعندما كانت تستهلك اللغة كل مقاماتها كنت تدعونا إلى اقتسام الهاوية: مثل» روني شار «تحب أن تذكرنا دوما بأننا لا نقتسم الكراسي، بل نقتسم الهاويات. لم تكن اللغة سوى الرديف المنذور للإغراء بذلك! تبحث عن الفريد المتميز في تاريخ المغرب العجيب وتأتي بما هو أغرب مما يكتبه التاريخ: الفتنة والخروج عن التاريخ الرسمي والبحث في أركان الهوية المتسللة.قفطان يهودي عبارة بورغواطية ثورة متعثرة، الآخر الراكد في هجير النسيان مخفورا بشموس العويل..كما في الفتان. من زمان كنت تفرش حياتك مثل مخطوط، وكنت تختبر نباهتنا ولم ننتبه: كانت تلك طريقتك للقول، إنه سيأتي اليوم الذي تدركون فيه أن الموت هو نقطة نهاية السطر في مخطوط ..هي حياتي. وأرى في رحيلك مصيبة، ليس للكلمات في قاموس العزاء أهلية للمساواة في الفجيعة. لطالما سرقتك القصيدة، من الموت. قبل أن يغمرك بالمطلق. هذا المطلق الذي ظل هدفا لك في الصداقة وفي الأدب وفي النضال(ترفض السياسة وتصر أن ما تقوم به نضال سياسي).. تمنيت لو انتظرت قليلا:كان لي أمل في أن أعتزل العالم الصارخ، وأنا أتفرغ لصداقتك، في شيخوخة كان أجدر بها أن تجمعني من جديد: حول نيتشه أو حول التصوف، حول الانتظار أو حول الترجمة، أن نتمم ما اتفقنا عليه حول كتاب عبد الكريم الخطابي..أسأل دوما :هل أحسنتُ صداقتنا؟ أجيب: أنت نعم! أما أنا، فليس تماما.. لأنني لست أنت! في السياسة، القائد الشبابي في المكتب الوطني، الصديق الدائم لقياداتها والكاتب السري لافتتاحيات ليبراسيون السياسية. في الأدب صاحب الدواوين التي نقرأها معا. ونصححها معا. ونتفق على عناوين بعضها معا. وفي الترجمة. لا شيء يفلت من تجاويف اللسان الآخر. وفي الثقافة العامة: العم كارل، هكذا سمينا ماركس في قصيدة كما كان يحضر في ليالي الصخب الحواري السقراطي. أما الترجمة وجدت فيها الإقامة الشعرية لهولدرلين كي تظل دوما حامل المرآة.. هل تذكر يا سعيد: أربعة فصول في صداقة واحدة يوم صرحت علنا بأنني مدين لعاهد سعيد باجماهري عبد الحميد .. هي أربعة فصول في صداقة واحدة، كان من الممكن أن أجمعها في كلمة واحدة: الحب، أو في فعل عاطفي مضارع دائما: أحبك صديقي. لكن هواية مجاورة الزمن لمدة تحت ظلال ما يجمعنا، غواية؛ مغناطيس بشحنة كهرو – ربانية تجذبني إلى الكلام. الفصل الروائي يبدو هكذا: نزل عبد الحميد في محطة القطار المسافرين بالدار البيضاء. وكان قد أنهى رواية » الأوهام الضائعة » لهونوري بلزاك. كانت الصفحة الأخيرة في الكتاب، الصفحة الأولى في حياته المسافرة. كانت الصحافة في بداية التسعينيات، بالنسبة لمعلم قادم من الناظور، تعلة للرواية والأدب، كانت التجربة الإنسانية أعمق، وأكثر حدة وجدية. النص الذي قادنا إلى بعضنا، كان عنوانه » حكاية شهرزاد غير التامة »، ثم دخلتُ، يأخذ بيدي عاهد سعيد، مرتبكا إلى مخدع اللغة اللاتينية، كما يدخل طفل مصاب بالحمى إلى حيث الممرضات الجميلات بابتسامة ملغزة. ليت الدهشة… ظل للكلام حيث المودة صفة أخرى للكتابة. هي فصول بلا ترتيب، لأنها كانت تصقل حياتي هناك، بمعية سعيد، اكتشفت، مثل محارب بدائي صناعة النار، وبعدها صناعة الحديد في حكاية داوود النبي. واكتشفت البشر، اكتشفت الغربة. تعرفت على ما سيصبح من بعد حياتي، ومعادن الناس في المغارة البدائية الأولى للغة الفرنسية. كان سعيد من قلة قليلة من الناس الذين آمنوا بي ( يا ترى أين ذهب الذين كفروا بي؟). سبقتني إلى الصحافة، القصيدة. كنا نميل إلى روني شار، عندما كان كثيرون يحبون إيف بونفو… ونميل إلى رونوار عندما يفضل آخرون شاهين؛ ونفضل العم ماركس عندما يمجد آخرون لينين؛ ولم نمنع أنفسنا أبدا من سحر الليبرالية الخفي. عشنا شتاءات طويلة من الأصدقاء، أيضا… كان الحظ هو الذي يرتب سعاداتنا ويعيد بناء الذكريات الخاصة لكل واحد منا.. كان للحظ اسمه الحركي: تارة هو الشعر تارة هو التشكيل تارة هو الحزب آه الحزب! والشبيبة: ألتقط فقط من عواصفنا كلها، تلك العبارة التي التقطناها في حداد عبد الرحيم بوعبيد: ملك اليسار! تدحرجنا من القصيدة إلى الحياة، ومن الحياة إلى القصيدة، مثل سمك السلمون حين يعود إلى النبع. وما بينهما سمينا النهر صداقة مشتركة، قبل الشعر، قبل الحزب، قبل النهر. قادني إلى سعيد عاهد، عبد الله بلعباس الولد الأمين، الدائم الشغوف بالحياة وبمياهها كلها. عبد الله، هي مناسبة لأقول إنه الحياة الأخرى التي تود أنت نفسك لو أنك تعيشها: تشعر بسعادة قصوى وآخر عزيز يعيش إنسانيتك، أو قسطك من الإنسانية. قادني عبد الله وسعيد، إلى الحاجة، الفقيدة المضمخة بالجنة الآن، أمنا الأرض! هو فصل من الغواية، والشعر والحزب و … الصحافة، عشناه كعصابة في قصيدة عبد المعطي حجازي » عصابة من الأشقياء«. متعذبين كآلهة بالكتب والأفكار والزمن المقيت. عشناها، كغضب في سؤال »غالب هلسا »، كنوم في ثلاثية » لكواباطا »، الفاره الياباني الذي تعلمنا منه الشيخوخة قبل أوانها. آمنا بقسوة، أن خبزنا كفيل بأن يُطعم كل الطيور وكل القرون: لأنه خبز طبخته المخيلة. أنا مدين لسعيد عاهد، بعبد الحميد جماهري. أقولها، وأشعر أنني أسمو، وأنني أكبر، وأنني أصبح أجمل. كان فصلا من الهواية، وشتاء طويلا من الأصدقاء، وربيعا دائما من الحروف… وصيفا حارا من الحزب، لعله بدأ يبرد بفعل الاحتقان الحراري ليس إلا! لم يكن طقسا جميلا دوما. ولم تكن سماؤنا دائما زرقاء ( هل تذكر ذلك البيان ؟ )؛ لكننا كنا نتطلع دائما إلى التحليق فيها، بسعة الجناح الخيال.