وداعًا عاهد سعيد، كلُّ كلمات الأرض لا يمكنها أن تُعبِّر أمام حضورك القوي في الحياة، وفي الصداقة، وفي تاريخ جريدةٍ كانت مصباحَ النضال في المغرب الحديث.. عرفتُه في بدايات التسعينات، قادمًا من فرنسا، محمّلًا بسنواتٍ من الدراسة العليا المميّزة، وبحلمٍ أكبر من الشهادات. كان شابًا وسيمًا، لا بالملامح وحدها، بل بروحٍ شفافة تشبه قصائده الأولى. يكتب الشعر كما يتنفّس، ويجعل من الصحافة فعلَ إبداعٍ يومي، لا مهنةً عابرة.. كان صحفيًا بنعالٍ من ريح: سريع البديهة، حاضر الذهن، يعمل بدقّة ساعةٍ سويسرية، لا يخطئ الموعد ولا يساوم على المعنى. يحترم الصداقة كما يحترم الكلمة، ويشتغل بنُبلٍ مع الصغير قبل الكبير، لا يعلو على أحد، ولا يُنقص من قدر أحد. كان يؤمن أن الأخلاق ليست زينة للمهنة، بل شرطها الأول.. كتب بالفرنسية بعمقٍ وأناقة، وترجم بشغفٍ مقالاتٍ وقضايا مرتبطة ببلاده، المغرب، كأن الترجمة عنده ليست نقلًا للغة، بل وفاءً للذاكرة، وجسرًا بين ما كان وما يجب أن يُقال. هذا الحب للمغرب لم يكن وليد اللحظة؛ كان قديمًا، متجذّرًا، هو الذي جعله يُلبّي نداء الحزب آنذاك، ويلتحق بجريدة ليبراسيون، ثم لاحقًا بجريدة الاتحاد الاشتراكي، مؤمنًا بأن الصحافة موقف، وبأن الكلمة قد تكون شكلًا من أشكال النضال الهادئ. والمبدع. برحيله، لا نفقد صديقًا فحسب، بل نفقد نبرةً صادقة، ووجهًا نقيًا للصحافة، وإنسانًا كان يمشي خفيفًا على الأرض، لكنه يترك أثرًا عميقًا في القلوب.. نمْ قريرالعين ، أيها الصديق العزيز، فقد بقيتَ في الذاكرة كما كنتَ في الحياة: وفيًّا، نبيلًا، ومحبًّا. وداعا … أيها المصباح الذي لا ينطفئ…