تعود الذاكرة، إلى الطفل الصغير، في 14 مارس 1976، منذ نصف قرن مر. كان الفتى عبد الحميد يريد أن يشاهد المقابلة، التي كان الكبار يشاهدونها في مقهى "عين اشبيلية"، والباب مغلق، وكان والده علي، الملقب عليلو رحمه لله، من بين المتابعين للمقابلة. يذكر الطفل، أنا، أن النادل سمح له بالدخول للالتحاق بأبيه من أجل المشاهدة، ويذكر أن حشرة تسللت إلى عينه وأفسدت عليه الفرجة، فكان يتابع، نقلا بالأبيض والأسود وتصرفات الناس وصيحات الحضور، والهمهمات أيضا، وهو يفرك عينه التي كانت تدمع ويصر على المشاهدة، إلى حين صرخ الجميع مع إصابة "بابا"، في الدقيقة ال88. لم يكن يعرف وقتها بأنها الدقيقة تلك طبعا. خرج الناس واسم فرس يملأ روحه، والكأس والبطولة. بعد ما يوافق أربعين سنة، سيلتقي الفتى عبد الحميد بالبطل أحمد فرس، سيصبحان صديقين، ويتبادل مع الرجل الذي جسد المعجزة صداقة.. انتهت برحيله. لو كان فرس ما زال حيا، لكان من الأجمل أن يحضر الذين سيحملون الكأس اليوم. هذا ما يعلق بالفتى عن نصف قرن، وماذا عن جيل جديد، ما الذي سيعلق بالذاكرة؟ أعتقد أن كأس الأمم الإفريقية، في نسختها المغربية، لا يمكن مقارنتها مع غيرها، في ترتيب الأفضلية منذ تأسيس المنافسات. وقد قالها رئيس الكاف نفسه، كما أن الذين تابعوا تفاصيلها الإدارية واللوجستيكية، طواقم وشعوب 24 دولة، لم يخرج عن صف المديح منهم سوى قلة قليلة، هناك أشقاؤنا الشرقيون، وهم قاموا بما كان منتظرا منهم… وهذا ثابت عندهم، كما حيَّنوا بعضا من سلوكاتهم، تماشيا مع ما تابعوه في النسخة الحالية، وأعطوها صبغة معينة. وفي تقديري أن الذي أزعجهم كان هو الشهادات التي قدمتها شخصيات وجمهورا منهم، حكى بنزاهة ما شاهده، فكان لابد من تحريك آليات الدعاية(انظر كسر البارحة ). وهناك مصر وشخص الكاتب العام في فيدرالية السينغال الكروية، لن نذكرهم إلا من باب اللحظات العابرة، وما سنحتفل به، ولا شك، هي الردود الرسمية العقلانية لأهل مصر ولأهل السينغال، وهو رد على من تحدثا باسمهما، أكثر منه رسالة تطمين للمغاربة. خارج هذه الثلاثية ليس هناك ما يذكر. شخصيا أحب مصر، وأنبذ حسام حسن، فأنا لم أكن أعرفه لأكرهه، بل كل ما هناك أنني استهجنت ما قام به، كما لم أستسغ الصفير الذي قابل به جمهور المحبين النشيد، أنا أحترم نشيد مصر ورمزيته في الوجدان المصري … إلى ذلك، نجد أن ال"كان" الحالية حققت ما عجزت عنه الكثير من الإقصائيات السابقة. هذا جيل مغربي استطاع أن يكسر السقف الزجاجي الذي وضعته الفرق الكبرى والآليات الرهيبة للكرة العالمية، فوق الجميع. جيل وصل إلى ربع نهائي العالم ليفتح الطريق نحو المجد… هذا الجيل استفاد من سياسة عقلانية، ورؤية يقودها ملك البلاد نفسه لجعل الكرة قوة ناعمة وطفرة في الإشعاع غير مسبوقة، استمرارا في النجاح وفي الروح الكونية. هذه الطفرة من أهم ما فيها تلاقح التجارب الكروية الدولية في التجربة المغربية من خلال الجيل المغربي، في الجهات الأربع من الكوكب. سنكسب بنيات غاية في الروعة وفي الجودة وفي المتانة… سنكسب "لايبال" label يجعلنا في مقدمة الدول في تنظيم التظاهرات الكبرى. وسيعلق بنا التفوق الأمني، واللوجيستيك والبنيات الفندقية، والحاجة إلى المزيد من التطور . سيعلق بنا أن الكرة الأرضية، دارت مدة شهر حول نفسها وحول الشمس وحول.. المغرب. وممكن أن تعود إلى الدوران من جديد حول أبطالنا. وتعود مجددا للدوران في 2030. الآن، وفي تقييم "الكان" في بلادنا، نجد أن المغرب استقر جيدا، وبشكل نهائي، في منظومة التفوق الكروي… وأنه اليوم، يتوفر على مسافة أمان كبيرة داخل مجموعته القارية والعربية والإسلامية، تجعل منافسته غير واردة في الوقت الحالي، دون أموال إضافية ولا ريع نفطي ولا غاز… سنكون سعداء لأننا ختمنا الكؤوس بكأس ظلت عالقة في بئر الحرمان لمدة نصف قرن. كأس "الكان" ستُكمل الكؤوس السابقة، كأس العرب، مونديال الشيلي، الفوتسال، الشباب أقل من 17 … ومن ثمة سنجمع "الصينية" المغربية ويجتمع حولها "أهل النية".