البلاغ الذي صدر عن الديوان الملكي، كان بمثابة خطاب إلى الأمة، جماعة وأفرادا. ذكر بنبل الدولة في اللحظات التي تجتاحها المشاعر، الحادة والقصوى. البلاغ- الخطاب، أعاد إلى الأذهان أن الحكمة، عند القادة الكبار، هي الوظيفة الأولى للدولة، وأن هاته الأخيرة، في الساعات المتلاطمة، تجسد العقل، الذي يتجسد في إرادة الملك. رفع من قيمة الحكمة والعقلانية والسمو … لقد توجه الملك إلى الأمة وأشاد بالشعب وشكره» شكرا يا شعبي على ما قدمته من أشياء جميلة ورفيعة وما منحته لبلادك وملكك من درجات عليا بمناسبة الكان». لم يكن بلاغا بلا سياق، بل كانت الدورة 35 لكأس إفريقيا للأمم هي المناسبة، وهي ثاني مرة يتحدث فيها الملك إلى المغاربة ومن ورائهم إلى القارة ومن وراء القارة إلى العالم، كانت المرة الأولى عبر رسالة إلى الفريق الوطني، وما قام به، ثم عبر البلاغ الحالي الموجه إلى الأمة جمعاء. بعد أن اتخذت الأمور منعطفا انفعاليا، تبينت قوة الديناميات الانفعالية في بناء السياسة، وأصبح من غير الممكن أن يترك الأمور تسير بقوة الانفعالات، وبفعل الديناميات الانفعالية التي تحول الغضب والخيبة أو السخط إلى فعل سياسي. هذا المنعطف، الذي كاد أن يتخذ شكلا جماعيا سيَّس العاطفة أو حول العاطفة إلى فعل سياسي سلبي» طاقة سلبية»، لم يقبل به عقل الدولة المركزي. 1 من غير المعقول أن نضحي بألف عام من التاريخ المشترك مع قارتنا. ومن غير المقبول أن ننسلخ عن قدرنا الجغرافي والتاريخي والحضاري الذي يجمعنا مع القارة لفائدة عواطف سلبية مهما كانت مشروعة ومبررة ولها منطقها. المملكة لا تحكم بواسطة الانفعالات وإلا كنا كالتي ذكرها القرآن الكريم «كالتي نقضت غزلها من بعد قوة». هذه علاقات تمت صياغتها عبر قرون، وكتبت في التاريخ الطويل للأمة، ولهذا اختار الملك أن يذكرنا بالزاوية التي ننظر منها إلى ما قمنا به وما وقع. لقد ذكرنا البلاغ بخطاب سابق للملك قال فيه: "إفريقيا بالنسبة للمغرب، أكثر من مجرد انتماء جغرافي، وارتباط تاريخي. فهي مشاعر صادقة من المحبة والتقدير، وروابط إنسانية وروحية عميقة، وعلاقات تعاون مثمر، وتضامن ملموس. إنها الامتداد الطبيعي، والعمق الاستراتيجي للمغرب». الفرق بين ما هو استراتيجي وما هو مرحلي، بين ما هو عاطفي قابل للزوال وما هو عقلاني وواقعي منذور للديمومة في الدولة وفي الحكم وفي الشعور الشعبي. 2 القارة هي أيضا تاريخ من العلاقات، أزيد من 1000 شراكة واتفاقية مع ما لا يقل عن 50 من دولها، ثنائيا أو جماعيا، وليس من المقبول أن نغرق الفضاء العام ولا النقاش الجماهيري بأمواج من الأفكار السلبية، التي تدمر الجسور التي شيدها الملك منذ مجيئه… -3 العزلة لم تكن أبدا مشروعا مغربيا بل كان الآخرون والخصوم، وهم يتغيرون دوما عبر التاريخ، يسعون إلى ذلك، لهذا جاء البلاغ ليقول: نحن جزء كبير من إفريقيا ولسنا جزيرة فيها. وهنا لا بد من التذكير بمخططات دامت نصف قرن كان من وسائلها التجييش، وعليه فإن خطورة الديناميات الانفعالية لا تكمن فيها بحد ذاتها فقط، وزاد في ذلك أن المغرب وضع الانتصار في الحساب الجاري للقارة، وهو بذلك أضاف السخاء الروحي إلى الحكمة والعقلانية عندما أهدى النجاح إلى القارة كلها. البلاغ كذلك، لا يمكن أن نقرأه، دون استحضار اللقاء الثنائي المغربي السينغالي الذي سينعقد بعد ساعات، في السياق الذي نعرفه جميعا، وهو بذلك يهيئ الظروف الإيجابية لانعقاده في أحسن الشروط، والتوجه نحو الأشياء الثابتة والعميقة. نحن إذن أمام بلاغ بمثابة خطاب للأمة، جاء ليذكر بأن اللحظات غير العادية دامت دقائق قليلة، وأن المناسبة كلها دامت شهرا، كان كله فرحا، وأن العلاقات الخالدة لها التاريخ والجغرافيا والروح…لتدوم !