أكد المستشار البرلماني السالك الموساوي، باسم الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس المستشارين، أن مناقشة السياسة الحكومية في مجال الرياضة لا يمكن أن تختزل في استحضار لحظات الفرح الجماعي التي يعيشها المغاربة عند تحقيق نتائج إيجابية، ولا في استعراض أرقام أو مشاريع متفرقة، لأن الرياضة، في جوهرها العميق، هي سياسة عمومية بامتياز، تعكس اختيارات الدولة الاجتماعية، ومستوى وعيها بدور الشباب، وقدرتها على الاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للأمم. مشيرا إلى أن الرياضة، حين تدار برؤية واضحة، تصبح أداة للتنمية، ووسيلة للاندماج الاجتماعي، ومدخلا لمحاربة الهشاشة والانحراف، وجسرا لترسيخ قيم المواطنة والانضباط والعمل الجماعي. وأوضح المستشار الاتحادي، خلال جلسة الأسئلة الشفوية الشهرية المخصصة لمساءلة رئيس الحكومة حول موضوع السياسة الحكومية في مجال الرياضة: الانجازات والرهانات، الثلاثاء 27 يناير 2026، أن بلادنا عرفت، خلال السنوات الأخيرة، الكثير من الإنجازات الرياضية التي لا يمكن إنكارها، والتي أسعدت المغاربة ورفعت منسوب الاعتزاز الوطني، غير أن السياسة العمومية لا تُقاس باللحظة، بل بالمسار، ولا تُقاس بالنتيجة النهائية فقط، بل بالشروط التي أفرزتها. مضيفا أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل نحن أمام سياسة حكومية واعية حولت هذه الإنجازات إلى مكتسبات مستدامة، أم أننا أمام توفيق ظرفي لم يُواكَب بإصلاحات بنيوية عميقة؟ وهل تم استثمار هذه اللحظات التاريخية لبناء منظومة رياضية قوية، أم تم الاكتفاء بتوظيفها رمزيا دون معالجة الأعطاب الهيكلية التي يعاني منها القطاع منذ سنوات؟ بلاغ الديوان الملكي: تأكيد القيم الأخلاقية وحماية البعد الإنساني للرياضة وشدد المستشار البرلماني، في مداخلته ، على أن الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية يشيد بمضمون بلاغ الديوان الملكي لما حمله من وضوح في الموقف، ورصانة في الخطاب، وتأكيد على القيم التي تؤطر الممارسة الرياضية وتحصّنها من كل انزلاق، والذي أكد أيضا على عمق العلاقات مع دول جنوب إفريقيا ومتانتها والأسس والثوابت التي تؤطرها، فضلا عن التأكيد على أن الرياضة فضاء للتنافس الشريف لا مجال فيه للتحريض أو التمييز، ورسّخ مرة أخرى صورة المغرب كدولة مؤسسات، تحكمها القيم، ويقودها منطق الحكمة والمسؤولية. وهو بلاغ يعكس حرص الدولة، في أعلى مستوياتها، على صون كرامة الرياضة وحماية بعدها الإنساني والأخلاقي. وأضاف السالك الموساوي، أنه "امتدادا لهذا المسار لابد من وقفة تقدير واعتراف للمنتخب الوطني لكرة القدم، الذي بصم، من خلال نتائجه الأخيرة وبلوغه نهائي كأس أمم إفريقيا، على مسار مشرف أعاد للمغاربة الثقة في قدرات رياضييهم، ورسّخ صورة بلادنا كبلد قادر على التنافس في أعلى المستويات القارية والدولية." المنتخب الوطني لكرة القدم: إنجاز مشرف ودلالات وطنية تتجاوز المنافسة الرياضية وتابع المتحدث، "إننا، ونحن نُثمن هذا الإنجاز، نُدرك جيداً أن الوصول إلى النهائي لم يكن مساراً سهلاً، بل جاء نتيجة عمل، وتضحيات، وانضباط، وإيمان بالقدرة على تجاوز الصعاب، وهي قيم تتجاوز المستطيل الأخضر لتلامس جوهر الروح الوطنية." موضحا أنه إذا كان النهائي قد جرى في أجواء طبعها توتر وخطاب سلبي لا يعكس القيم الرياضية النبيلة، فإن ثقتنا تظل راسخة في المنتخب الوطني، وفي قدرته على تحويل الإكراه إلى قوة، والضغط إلى رسالة، مفادها أن المغرب بلد الرياضة وروحها، بلد التنافس الشريف، وبلد الاحترام المتبادل. مؤكدا أن المغرب سيظل بلداً للقانون والمؤسسات، لا مكان فيه لخطابات العنصرية أو الإقصاء، ولا مجال فيه لتوظيف الرياضة خارج قيمها الإنسانية والأخلاقية. فالرياضة عندنا في بلادنا ليست أداة للتفرقة، بل فضاء للوحدة، وليست مجالاً للتمييز، بل مدرسة للتسامح والانفتاح. وسجل المستشار البرلماني، أنه انطلاقاً من هذا الوعي، ومن هذا الاعتزاز المسؤول بما حققه منتخبنا الوطني، نناقش السياسة الحكومية في مجال الرياضة، لا من زاوية الاحتفاء بالنتائج فقط، بل من زاوية مساءلة الاختيارات، وتقييم السياسات العمومية، والبحث في مدى قدرتها على تحويل هذه اللحظات المضيئة إلى مسار دائم، يضمن الاستمرارية، ويؤسس لرياضة وطنية قوية، عادلة، ومؤطرة، تخدم الشباب، وتعكس صورة المغرب الذي نريده: مغرب المؤسسات، والكفاءة، والإنصاف. غياب رؤية استراتيجية وطنية واضحة للسياسة الرياضية وشدد المتحدث على أن أول ما يلفت الانتباه في السياسة الحكومية في مجال الرياضة، هو غياب رؤية استراتيجية وطنية واضحة المعالم، رؤية تُحدد الأهداف، وتُرسم فيها الأدوار، ويُربط فيها الزمن بالنتائج. مضيفا أن ما نراه اليوم هو تشتت في المسؤوليات بين قطاعات متعددة، وضعف في التنسيق، وتداخل في الاختصاصات، مما يجعل من الصعب الحديث عن سياسة عمومية مندمجة. فالرياضة لا يمكن أن تنهض بمنطق التدبير المجزأ، ولا بسياسات ظرفية تُصاغ تحت ضغط الأحداث أو النتائج، بل تحتاج إلى تخطيط طويل النفس، وإلى وضوح في الاختيارات، وإلى إرادة سياسية تتجاوز منطق رد الفعل إلى منطق البناء. وأوضح الموساوي، أن هذا الاختلال يزداد وضوحاً حين نتأمل وضع الرياضة المدرسية، التي يفترض أن تكون القاعدة الصلبة لأي سياسة رياضية ناجحة. فالمدرسة العمومية، التي تُخرّج ملايين التلاميذ، لا تزال عاجزة عن لعب دورها الطبيعي في اكتشاف المواهب وصقلها وتأطيرها. حيث حصص التربية البدنية تُعامل في كثير من الأحيان كمجرد مواد ثانوية، والبنيات التحتية إما غائبة أو مهترئة، والأطر التربوية تعاني من ضعف الإمكانيات والتحفيز. متسائلا: كيف ننتظر أبطال الغد، ونحن لا نؤمن للطفل اليوم أبسط شروط الممارسة الرياضية داخل المدرسة؟ وأشار المتحدث إلى أن حال الرياضة الجامعية لا يختلف كثيرا عن ذلك، حيث تبقى المبادرات محدودة، والأنشطة ضعيفة الحضور، دون ربط حقيقي بين الجامعة والنوادي أو الجامعات الرياضية. موضحا أن الدول التي نجحت في بناء منظومات رياضية قوية جعلت من الجامعة فضاءً لتفريخ الأبطال، ومن البحث العلمي رافعة لتطوير الأداء، بينما لا يزال هذا البعد شبه غائب في السياسات العمومية المعتمدة. الرياضة المدرسية: الحلقة الأضعف في بناء منظومة رياضية وطنية ناجحة وأكد المستشار البرلماني في تعقيبه على جواب رئيس الحكومة، أن الحديث عن السياسة الرياضية لا يمكن أن يتجاهل مسألة العدالة المجالية، التي تظل إحدى أكبر نقاط الضعف. فالمشهد الرياضي الوطني يكشف عن تفاوت صارخ بين المدن الكبرى التي تحظى بملاعب ومراكز تكوين وتجهيزات حديثة، وبين مناطق واسعة في العالم القروي والجهات المهمشة، حيث تغيب أبسط البنيات الرياضية. مسجلا أن هذا التفاوت لا يُقصي فقط آلاف الأطفال والشباب من حقهم في ممارسة الرياضة، بل يُفرّغ الخطاب حول تكافؤ الفرص من مضمونه الحقيقي. فالموهبة وحدها لا تكفي، إذا لم تجد فضاءً يحتضنها، وإطاراً يؤطرها، ومؤسسات ترافقها. ومن جهة أخرى، شدد المتحدث على أن ملف الحكامة والتمويل يظلان من أكثر الملفات إشكالية في القطاع الرياضي. فالمال العمومي الذي يُرصد للرياضة يجب أن يكون وسيلة للإصلاح والتطوير، لا مجالاً لإعادة إنتاج نفس الأعطاب. غير أن واقع الحال يُظهر ضعفاً في آليات المراقبة والتقييم، وغموضاً في معايير الدعم، واستمرار اختلالات بنيوية داخل عدد من الجامعات والعصب، حيث تغيب المحاسبة الحقيقية، ويُعاد إنتاج نفس الأساليب دون ربطها بالنتائج أو الأثر الاجتماعي، فالرياضة لا يمكن أن تنهض في ظل غياب الشفافية، ولا يمكن أن تتطور في مناخ يُكافأ فيه الفشل ويُبرَّر فيه التعثر. الحكامة والتمويل في القطاع الرياضي: بين ضعف المراقبة وغياب المحاسبة وأكد المستشار الاتحادي أن تركيز السياسة الرياضية بشكل شبه حصري على كرة القدم، رغم أهميتها الشعبية، يُعد في حد ذاته مؤشرا على غياب رؤية متوازنة. فالرياضات الفردية، التي جلبت للمغرب أكبر عدد من التتويجات الدولية، لا تزال تعاني من ضعف الدعم، وقلة الاهتمام، وغياب الاستمرارية. كما أن الرياضة النسوية، ورياضة الأشخاص في وضعية إعاقة، لا تزال تُعامل كملفات ثانوية، تُستحضر في الخطاب أكثر مما تُترجم في السياسات والميزانيات. موضحا أن بناء سياسة رياضية ناجحة يقتضي التنوع، والتوازن، والاستثمار في كل الطاقات دون إقصاء أو تمييز. وخلص المتحدث إلى أن الرهان الحقيقي، ليس فقط في تحسين ترتيب أو تحقيق لقب، بل في جعل الرياضة أداة لإعادة الثقة لدى الشباب، ومساحة للتنشئة السليمة، وآلية للحد من مظاهر العنف والانحراف. مشيرا إلى أن مناقشة السياسة الحكومية في مجال الرياضة، لا نبحث من خلالها عن تبرير الأعطاب ولا عن تلميع الصورة، بل عن جرأة سياسية تعترف بالاختلالات، وتطرح إصلاحات حقيقية، وتؤسس لمرحلة جديدة تُخرج الرياضة من منطق المناسبات والنتائج الظرفية إلى منطق السياسة العمومية المستدامة. فحين نربط الرياضة بالتعليم، وبالعدالة المجالية، وبالحكامة الجيدة، وبالاستثمار في الطفولة والشباب، فقط حينها يمكن أن نتحدث عن إنجازات حقيقية، وعن رهانات كبرى كسبها المغرب، لا عن آمال مؤجلة تنتظر لحظة أخرى.