مع حلول شهر رمضان المبارك، تشهد شوارع المدن المغربية أجواء استثنائية مرتبطة بخصوصية الشهر الفضيل مميزة، لكنها تعرف أيضا بروز جد مقلق لظاهرة التسول التي لم تعد تفاصيلها تقتصر على حالات إنسانية معزولة، بل تحولت إلى «اجتياح» حقيقي للمجال العام بشكل يخدش وجه التضامن المغربي الأصيل. فمن الدارالبيضاء إلى طنجة، ومن الرباط إلى مراكش، وعلى امتداد كافة المدن، صار مشهد المتسولين الذين يحيطون بأبواب المساجد قبيل صلاة التراويح، ويحاصرون المخابز وينتشرون في الأسواق ويحتلّون إشارات المرور، جزءا لا يتجزأ من اليوميات الرمضانية، حيث يتم استغلال «رقة قلوب» الصائمين ونزوعهم الفطري نحو فعل الخير في هذا الشهر الفضيل من اجل الحصول منهم على مبالغ مالية تتفاوت قيمتها، لكن ما يثير القلق اليوم ليس الحاجة الماسة في حدّ ذاتها، بل تحول التسول إلى «مهنة» منظمة تعتمد على «سيناريوهات» احترافية تتطور باستمرار لاستمالة العواطف، باستخدام الأطفال والرضع كأدوات لتأثيث مشهد البؤس، وادعاء المرض والإصابات المزمنة والإعاقات، في وقت تزداد فيه حدة الظاهرة بشكل لافت للنظر ومستفز لضمير المجتمع. وتكشف المعطيات الصادرة عن وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي، وكذا تقارير رئاسة النيابة العامة، أن ظاهرة التسول في المغرب أصبحت تتخذ أبعادا مقلقة؛ فوفقا لآخر الأرقام الرسمية والأبحاث الوطنية، يقدر عدد المتسولين بالمملكة بحوالي 195 ألف شخص، مع تسجيل ذروة التسول خلال شهر رمضان. هذه الأرقام تحول الظاهرة من مجرد هشاشة اجتماعية عند البعض، إلى «اقتصاد خفي» ينمو في ظل استغلال الفراغات الاجتماعية، حيث تشير التقارير إلى أن 70% من المتسولين هم من النساء، و25% منهم دون سن 18 عاما، ما يضعنا أمام جريمة استغلال القاصرين بادّعاء الحاجة والضعف، وهو ما يعاقب عليه القانون الجنائي المغربي في فصوله (326 إلى 333) بالحبس الذي قد يصل إلى ستة أشهر، خاصة في حالات الاعتياد أو استغلال الغير في هذه «التجارة» البئيسة التي تدر مبالغ مالية ضخمة تفوق أجور فئات كادحة. وفي تصريحات ميدانية استقتها جريدة «الاتحاد الاشتراكي» من قلب الشارع البيضاوي، عبر مواطنون عن ضيقهم الشديد مما وصفوه بحالة «الحصار» التي يفرضها أشخاص يتخذون من طلب الصدقة مهنة لهم في الأماكن العامة، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر، محطات «الطرامواي» التي تشهد اكتظاظا كبيرا. وأكد المتضررون من هذا السلوك المستفحل يوما عن يوم، أن الإلحاح في طلب الصدقة يتجاوز أحيانا حدود اللباقة ليتحول إلى مضايقات حقيقية. وحسب نفس الشهادات، فإن العديد من المواطنين يتعرضون لمواقف محرجة وعدائية، فبمجرد الامتناع عن تقديم «الصدقة» أو الاعتذار عنها، ينقلب طلب هؤلاء المتسولين من «الدعاء والطلب «إلى «الكلام القبيح» والسب، مما يفسد الأجواء الروحانية للشهر الكريم ويؤكد أننا أمام سلوك عدواني لشبكات تطلب المال من الناس بالقوة بحجة الفقر. وعلاقة بالموضوع، يؤكد عدد من المهتمين والمتتبعين للظاهرة على استمرار هذا الوضع يفرض تجاوز المقاربات الموسمية نحو استراتيجية وطنية مندمجة تجفف منابع هذا المشكل الذي يرخي بتبعاته على فضاء العيش المشترك وعلى يوميات المواطنين، فبينما يظل الردع القانوني ضروريا لحماية الأطفال نموذجا، يبقى الوعي المجتمعي هو المفتاح عبر توجيه الزكاة والصدقات نحو مؤسسات منظمة تضمن كرامة المحتاج وتغلق الأبواب أمام محترفي «الاسترزاق الرمضاني». (*) صحفية متدربة