نظراً للحضور الدائم والمتواصل لأصداء حرب الرّيف التحرّرية الماجدة ولمعركة أنوال الباسلة، في تاريخ المغرب المعاصر، يطيب لي أن أقدّم للقرّاء الكرام في صحيفتنا الواعدة والمتجدّدة (الاتّحاد الاشتراكي) الزاهرة على امتداد شهر رمضان الأبرك، فصولًا مسلسلة ًومتتابعة من روايتي التي ( لم تُنشر بعد) والتي تحمل عنوان: "أركاز « ويعني هذا المصطلح فى لغة أهل الريف : ( الرّجل الشّهم الشّجاع المقدام). سنعرض في سردٍ قصصيّ مُشوّق مشاهدَ وأحداثاً ووقائعَ استرجاعية واقعية مُعاشة مستوحاة من سيرة جدّنا الأبرّ المُجاهد الأجديري الورياغلى "مُوحْ نَسِّي أحمد الورياغلي خطّابي" رحمه الله الذي قيّض الله له أن يسلم روحه الطاهرة شهيداً في 21 من شهر يوليوز في معركة "أنوال" الخالدة 1921غِرّة المعارك الضارية خلال حرب الرّيف التحرّرية الماجدة الى جانب العديد من رفقائه من المُجاهدين الشهداء الآخرين الابطال الذين أعطوا النفسَ والنفيس، وأبلوا البلاءَ الحسَن دفاعاً عن حوزة الوطن الغالي، وذوداً عن عزّته، وسُمعته، وكرامته، ووحدته ،وأهله، وعشيرته، بمقاومتهم ومجابهتهم، وردّهم وصدّهم، ودحرهم وإذلالهم لأعتىَ قوّةٍ استعماريةٍ نظاميةٍ أوروبية غاشمةٍ اسبانية لم تكن تغيب عنها الشمس لسنواتٍ طويلةٍ خلت، حيث مُنيت في خضمّ المعارك التي خاضها المجاهدون الصّناديد الأبرار، والشهداء الشجعان الأخيار سواء في معركة أنوال الكبرى أو في أخواتها ومثيلاتها الماجدات الأخريات في: ادْهار أُوبارّان، وإغريبَن، إغزَرْ أُووشّن، وسواها من مواطن النزال، وفى مراتع التلاحم والقتال التي لا تنسى والتي خلّدها التاريخ بمختلف لغاته بأحرُفٍ من نور ونار. انتفض (مُوح ) في الهزيع الأخير من الليل عندما انتهى إليه أذان الفجر ، خرج على أطراف أصابع رجليْه الى صحن المنزل، وتناول سطلاً صغيراً ،صبّ بداخله قليلاً من الماء من القلّة الفخارية الكبيرة التي كانت في مدخل غرفة والدته والتي يُسقىَ بها الماء من الآبار والعيون المجاورة ،توضّأ ، وصلّى صلاة الفجر، ثم عاد ليستلقي على مرتبته هذه المرّة في غرفته الى جانب أخويْه حمّوش وأحمد اللذيْن لم يشعرا به، ولم يتفطّنا لحضوره، وما أن أغمض عينيْه سرعان ما داعبَ الكرىَ جفنيْه، وغالبه النوم من جديد . بعد مرور حوالي السّاعة ،طرقت والدته عليه الباب ،فأجابها على الفور : – انا لست نائماً يا أمّاه ، بعد قليل سأكون معك. انتفض واقفاً من جديد ، إلتفت يميناً ويُسرةً ولم يجد أثراً لأخويْه ، كانا قد خرجا من الغرفة دون شعور منه ، وغادرا المنزل منذ الصّباح الباكر الى الوطاء لمتابعة الأعمال الفلاحية والزراعية فى هذا السهل الفسيح حيث توجد أراضي أبيهما الذي غادر العائلة إلى الأبد إلى الباري جلّت قدرته . في ذلك اليوم تناول (مُوح ) الإفطار مع والدته ، إذ لم يكن بالبيت سواهما ، فقد ذهب أخواه حمّوش وأحمد منذ قليل على دواب بعض أقربائهما الى حقول والده في «الوطاء « لجني محاصيل الذرة ب (أمجار) لتخزين بعضها في المنزل تحسّباً لقرب قدوم فصل الشتاء، وبيع الباقي في الأسواق المحلية الصغيرة المجاورة، وأمّا أختاه فاظمة ومنوش فقد انصرفتا على دابّة المنزل إلى أراضي الأسرة بمنطقة «أزغار» لاستقدام أعشاب البرسيم الأخضر( فافرا ) الذي كان أخوهما حمّوش قد زرع حقلاً واسعاً منه في الأشهر الأخيرة ،والذي يُقدَّم كعلف مفيد إلى جانب التبن، والكلأ الطازج الغضّ،والحشائش الرطبة للمواشي من غنم ، ومعز، وخرفان، وللبقر، والدوابّ كذلك . عند وصول فاظمة ومنّوش الى أراضي الأسرة في « أزغار» ، ربطتا الدابّة الى جدع شجرة تين وارفة الظّلال، ووافرة الأغصان ، وبينما كانتا متّجهتيْن إلى الحقول المُجاورة وهما تحملان فى أيديها مِنجلاً ( أمجر) لقطع البرسيم التقيتا مع صديقتيْهما « منّوش بنت أبقوي» التي كانت قد سبقتهما إلى حقول والدها لتأتي هي الأخرى برُزَمٍ من البرسيم كذلك ، تبادلت التحيّة من بعيد مع صديقتيها ثمّ انحنتْ على الأرض لتقطيع حُفنات وقبضات من هذا العلف الطريّ الثمين ، وبعد برهة من الزّمن حضرت جارتهما منّوش أبقوي الى أرض أختيْ (مُوح ) وبيدها إناء من فخار منمّق بخطوط متناسقة سوداء اللون ،سلّمت عليهما بلمسٍ خاطفٍ بطرَف الأيدي على الأنامل ثم مَرَرْنَ بها على شفاهنّ لتقبيل أصابعهنّ في لطف كرمز للمحبة وعلامة على المودة والتداني،وجلست منّوش أبقوي إلى جانبهما تحت شجرة التّين المورقة الكبيرة وهي تقول لهما : لقد احضرتُ معي من البيت آنية من الفخار ملأى باللبن الرّايب (أشّير) لابدّ أنه الآن بارد، فقد علّقتُ الآنية عند وصولي في الصّباح الباكر على غصن شجرة الزيتون في أرضنا ، ولم يتوقّف ريح النّسيم العليل الهادئ ( رَعْوِينْ) يهبّ عليها أرجو أن تشاركاني في شربه والاستمتاع به بصحّة وعافية . شكرتْ أختا (مُوح) منوش وفاظمة صديقتيْهما وجلسنَ الثلاث جنباً الى جنب وهنّ يحتسين مُنتشياتٍ اللّبنَ الرّايب اللذيذ الطريّ البارد الذي كنّ في حاجةٍ إليه للتغلب على قيظ الحرارة المفرطة التي كانت حامية الوطيس في ذلك النهار، خلال هذه الاستراحة تبادلت الصّبايا أطراف الحديث فيما بينهنّ عن الحياة اليومية المتواترة التي تنساب بينهنّ مسرعةً رتيبةً حيناً ،ومتّئدةً هادئة حيناً آخر ، وكأنّ الأيام كلّها شبيهة ببعضها ولا يختلف يوم عن الآخر بالرّوتين اليومي المتعاقب . شكرتْ كلٌّ من فاظمة ومنوش صديقتيْهما على اللبن الرّايب المنعش واعطياها حفنة من التين الأسود (الغُدّاني) اللذيذ ،وقالتا لها : -لقد اشتراه أوّل أمس أخونا (مُوح) من سوق امزورن الأسبوعي .! شكرتهما هي الأخرى على ذلك ،وانصرفت راجعةً إلى حقل والدها لتجمع الرّزم الملفوفة التي قطّعتها هي الأخرى من البرسيم ، ووضعتها بعناية فوق دابتها وربطتها بحبلٍ متين . ركبت على ظهر البغلة مستعينة بنصف جدعِ شجرةٍ كبير يابس ثم انطلقت دابتها راجعة الى بيتها الذي لا يبعد كثيراً عن بيت صديقتيْها .أشارت بيدها اليمنىَ من بعيد مُحييةً أختيْ (مُوح ) فردّتا التحيّة بمثلها عليها بلطف ثم انصرفتا الى مزيد من تقطيع البرسيم الذى جمعتاه فيما بعد فى رزمة كبيرة ووضعتاه فوق ظهر الدابّة وربطتا الرّزمة بإحكام وانطلقتا في طريق العودة إلى المنزل من جديد،وبينما هما في منتصف الطريق حيث كانت الشمس آليةً للغروب قالت فاظمة لشقيقتها منّوش بعد أن دنت بفمها من أذن أختها : – هل رأيتِ كيفّ انفعلتْ منّوش ، واحمرّ وجهها عندما قلنا لها إنّ التّين الغُدّاني اللذيذ الذي أعطيناه لها اشتراه أخونا ( مُوح) أوّل أمس من سوق امزورن .. ؟! ما هذا يا ( أركاز)..؟ ..قبل وصول فاظمة ومنّوش بقليل إلى البيت التقيا مع أخيهما (مُوح) الذي كان نازلاً من أعالي هضبة جبل «تقيشّة» الشّامخ وهو يفتح طريقه بالكاد وسط شُجيرات كثيفة من الدّوم، وسَعف الجُمّار، والتّين الشّوكي، والصبّار. كان (مُوح) يحمل على كتفه الأيسر بندقيته ، وفى يده اليمنى كان يحمل أرنبيْن برّييْن مُلطّخيْن بالدم ، لونهماّ رماديّ داكن ،وبطنهما ناصعا البياض، يُطلق أهل البلد على هذه الفصيلة من الأرانب البريّة (أزِيزْ) . ظلت الأختان تنظران فى ذهول لما كان يتراءى أمامهما ، فهما يعرفان أنّ أخاهما (مُوح) لم يسبق له أن اصطاد أرانبَ من هذا النّوع من قبل ، كما أنهما يعرفان أنّ اصطياد هذا الصّنف من الأرانب البريّة يتطلّب مهارة كبرى فائقة لأنها معروفة بعدْوها السّريع ، وهي حيوانات في حالة شعورها بخطر يُحدّق بها تتميّز بقفزاتها المتكرّرة عندما تجري أو تفرّ هاربة دائبة فلا تتوقّف عن القفز والنطّ في كلّ اتّجاهات ملتوية حتى تختبئ في جحورها ، لذا فإنه ليس من السّهولة واليُسراصطيادها بالبندقية إذا لم تكن واقفة ثابتة في مكانها . بينما كانت دابّة أختيّ (مُوح) تقترب من المنزل، كان أخوهما يدنو هو الآخر كذلك رويداً ريداً منهما ، فلمّا التقيا قالت له اخته الصّغرى منّوش مُتسائلة : -ما هذا أ يا ( أَرْجَازْ ) ؟ ..( ما هذا يا رجل) ؟ فأجاب ( مُوح) على الفور مُداعباً ومُبتسماً : – لقد اشريتهما في قمّة الجبل من عند راعٍ كان هناك !. فاجابته أخته الكبرى فاظمة مبتسمةً هي الأخرى تقول : -هذه مجرّد مُزحة منك، أليس كذلك ؟ ،ففي قمّة جبل « تقيشّة» ليس هناك أيّ راعٍ، ونحن نعرف أنّك أنت مَنْ اصطاد هاذين الأرنبيْن البرّيين بدون شكّ . أردف (مُوح) قائلاً لاختيْه : -أجل صدقتما، إنّها أوّل مرّة أسدّد في الخلاء على هدف حيّ مُتحرّك من هذا النّوع بعد أن كنتُ فيما مضىَ أتدرّب فقط على الأحجارالصغيرة ،(تاحجورث)، فضلاً عن أوراق الصبّارالسّميكة، وثمار التين الشّائك، والحمد لله لقد أصبتُ الهدف من البداية فى الطلقتين اللتين اطلقتهما اليوم. دخل (مُوح) وأختاه فاظمة ومنّوش إلى حِصن المنزل ، وتقدمت إليهما الوالدة مهرولةً ومعها (مُوح) لمساعدة فاظمة ومنوش لفسخ الحبل الذي ربطتا به رزم البرسيم المُحمّلة على ظهر الدابّة وإنزالها الى الأرض، لم تفاجأ الأمّ مثلما حدث مع ابنتيْها عند رؤيتها للأرنبيْن اللذيْن كانا في يد ابنها (مُوح) بل قالت له مبتسمةُ : – لقد تأكّدتُ اليوم ، أنك أصبحتَ قولاً وفعلاً وعملاً بارعاً في التسديد يا بنيّ ،فقد أصبتَ الهدف في الصّميم ،وإن كنتُ أعرف أنّ ذلك ليس بالأمرّ الهيّن البسيط ،ومع ذلك لقد كنت متيقّنة أنه ليس غريباً عنك أن تفعل ذلك وتصيب الهدف حتى وإن كان مُتحرّكاً ، فقد تدرّبتَ ما فيه الكفاية لتصيب هذه الأنواع من الحيوانات على الرّغم من سرعتها الفائقة، وقفزاتها وتحرّكاتها، واختفائها بين الحشائش والشّجيرات المنتشرة في كلّ مكان ،إنّك تشبه أباك رحمه الله في هذا الأمر، فقد كان هو الآخر،بغضّ النظر عن عمله كفقيه مُعلّم ، ماهراً في فنون الرّماية والتسديد، بل كان بعض أصدقائه المُقرّبين في قريتنا أجدير يسمّونه ب « شيخ الرمىَ» ، ابتسم (مُوح) ابتسامة خفيفة ثم ناول الأرنبيْن لأمّه قائلاً لها : -اطمئنّي يا أمّاه فقد قلتُ باسم الله قبل أن أضغط على الزّناد وإطلاق البارود فأصبتُ الهدف . أمسكت الأمّ الأرنبيْن من رجليْهما السّفلييْن وذهبت لتضعهما في المطبخ وهي تقول لفلذات أكبادها: -هيّا الآن يا أولادي الأعزّاء لنتناول معاً لقمة من عيش الشّعير السّاخن الدّاكن (أغروم إيماندي) الذي أخرجتُه لتوّي من الفُرن التنّورمع البيض الطريّ المقليّ في الزّبدة (البلْديّة) ( ذروسّي) ..