كشفت المعطيات الرسمية الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن أرقام صادمة تضع منظومة الأمن الغذائي بالمغرب أمام تحديات غير مسبوقة، حيث أظهرت المؤشرات المسجلة سنة 2022 تخلص الأسر المغربية من حوالي 4.2 ملايين طن من المواد الغذائية. وسجلت هذه الظاهرة منحى تصاعديا مقلقا يعكس خللا في أنماط الاستهلاك، إذ انتقل معدل الهدر السنوي للفرد الواحد من 91 كيلوغراما في سنة 2021 ليصل إلى 113 كيلوغراما في سنة 2022. وتأتي هذه الأرقام المحلية لتقترب من المؤشرات العالمية التي أوردها برنامج الأممالمتحدة للبيئة، والتي أظهرت أن معدل الهدر في إجمالي الإنتاج الغذائي على مستوى الأسر والمطاعم والتجارة بلغ ما يقارب 19% عالمياً. وأظهرت التشخيصات الدقيقة أن استنزاف الثروة الغذائية لا يقتصر على مرحلة الاستهلاك المنزلي، بل يمتد ليشمل كافة حلقات سلسلة القيمة من الحقل إلى المائدة. ففي المراحل الأولى المرتبطة بالإنتاج والحصاد والتخزين والنقل، كشفت البيانات عن ضياع نسب تتراوح ما بين 20 و40% في بعض السلاسل الحيوية، ولا سيما الفواكه والخضر والحبوب. ويعزى هذا الضياع المبكر إلى ضعف البنيات التحتية المخصصة للتخزين، وغياب وحدات القرب لتحويل المنتجات الفلاحية، مما يؤدي إلى تلف كميات ضخمة من المحاصيل قبل وصولها إلى الأسواق. ولم تتوقف الانعكاسات عند الجانب الاقتصادي والمادي، بل كشفت الأرقام عن كلفة بيئية ومائية باهظة يتحملها المغرب في ظل توالي سنوات الجفاف؛ حيث أظهرت التقديرات تعبئة ما قدره 1.6 مليار متر مكعب من المياه سنوياً لإنتاج مواد غذائية لا تبلغ مرحلة الاستهلاك النهائي. ويمثل هذا الرقم استنزافاً حاداً للموارد المائية الجوفية والسطحية، يضاف إليه الضرر البيئي الناتج عن تحلل النفايات الغذائية التي تساهم في تزايد انبعاثات الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري. وعلى صعيد السلوك الاستهلاكي، قدمت نتائج الاستشارة المواطنة التي شارك فيها 1591 مشاركاً عبر منصة «أشارك» صورة مفصلة عن مسببات هذه الظاهرة في المجتمع المغربي. فقد أظهرت الإجابات أن 25% من حالات التخلص من الطعام تعود إلى تغير المظهر أو الرائحة، بينما عزا 21% من المشاركين الأمر إلى تجاوز تاريخ الصلاحية المدون على المنتجات. كما كشف التحليل عن ضعف في ثقافة التدبير المنزلي، حيث أقر 16% بضعف التخطيط للوجبات، و12% بالشراء المفرط الذي يفوق الحاجة الفعلية، ونفس النسبة 12% أرجعت السبب لنقص المعارف بأساليب حفظ المنتجات. وفيما يخص طبيعة المواد التي ينتهي بها المطاف في القمامة، أظهرت إجابات المشاركين أن المنتجات المعلبة تأتي في الصدارة بنسبة 36%، تليها الوجبات السريعة بنسبة 35%، بينما تشكل المواد الغذائية الطازجة نسبة 23% من مجموع المنتجات المهدرة. وهذه الأرقام تؤكد الحاجة الملحة لمراجعة طرق التفاعل مع المواد سريعة التلف وكيفية تدبير المخزون المنزلي. وأمام هذا الواقع، كشفت المخرجات عن ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تتجاوز المبادرات المتفرقة التي تفتقر للتنسيق. وتضمنت الحلول المقترحة تدابير قانونية وتقنية واجتماعية، حيث اعتبر 22% من المواطنين أن تعزيز البحث العلمي في تكنولوجيات حفظ المواد الغذائية وإعادة تدويرها يعد أولوية قصوى. كما أيد 20% فكرة إحداث نقاط تجميع ومراكز فرز مخصصة، بينما دعا 19% إلى تكثيف جهود التوعية برهانات الهدر الغذائي. وفي السياق ذاته، أظهرت المقترحات العملية أهمية الابتكار التجاري؛ إذ شجع 14% من المشاركين على تخصيص رفوف خاصة داخل المتاجر الكبرى لعرض المنتجات التي اقترب تاريخ انتهاء صلاحيتها بأسعار منخفضة، وهي آلية أثبتت نجاعتها في العديد من التجارب الدولية. كما ركزت التوجهات الاستراتيجية على ضرورة التمييز في وسم المنتجات بين عبارة «صالح للاستهلاك إلى غاية» المرتبطة بالسلامة الصحية، وعبارة «يفضل استهلاكه قبل» المرتبطة بالجودة فقط، لتقليص حجم الهدر الناتج عن الفهم الخاطئ لتواريخ الصلاحية. ولمحاصرة الظاهرة من الناحية التنظيمية، تم التأكيد على أهمية إحداث «مرصد وطني لضياع وهدر المواد الغذائية» يتولى جمع وتوحيد المعطيات وإنتاج مؤشرات دقيقة تتيح التدخل الناجع. كما برزت الدعوة إلى تحفيز المقاولات على التبرع العيني بالفوائض عبر تفعيل مقتضيات المدونة العامة للضرائب التي تسمح بخصم تكاليف الهبات المقدمة للجمعيات ذات المنفعة العامة. إن هذه الأرقام والحلول المقترحة تشكل في مجموعها خارطة طريق للانتقال نحو نموذج غذائي أكثر استدامة، يضمن الحفاظ على الموارد الطبيعية للمملكة ويعزز سيادتها الغذائية في ظل تقلبات مناخية عالمية متسارعة.