تأتي الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في سياق سياسي واجتماعي بالغ الحساسية، يتسم بارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي واتساع دائرة القلق لدى فئات واسعة من المواطنين، في ظل استمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمغاربة، كما يبرز في هذا السياق تراجع واضح في مستوى الثقة في المؤسسات المنتخبة وفي جدوى الانخراط السياسي، خاصة لدى فئات واسعة من الشباب، وهو ما يعكس حالة من العزوف المتنامي عن المشاركة في الفعل السياسي، نتيجة شعور متزايد بعدم قدرة التجربة الحكومية الحالية على تقديم أجوبة مقنعة وفعالة للإشكالات المطروحة، سواء على مستوى التشغيل أو العدالة الاجتماعية أو تحسين الأوضاع المعيشية. وفي خضم هذه التحولات، يجد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نفسه أمام اختبار سياسي حقيقي، يفرض عليه تكريس دوره كقوة اقتراحية ونضالية قادرة على تأطير النقاش العمومي والتفاعل مع انتظارات المجتمع، وإعادة بناء جسور الثقة مع المواطنين، خاصة الشباب، فالمشهد السياسي الوطني يشهد تحولات متسارعة، ويطرح تحديات كبرى تفرض على الفاعلين السياسيين تقديم بدائل واقعية وبرامج واضحة قادرة على الاستجابة لتطلعات المغاربة، بما يعزز الثقة في العمل السياسي ويعيد الاعتبار للممارسة الحزبية كأداة أساسية للتغيير الديمقراطي والتنمية. يتمثل الرهان الأول بالنسبة للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في توضيح إخفاقات الحكومة السابقة وكشف حدود اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية، فقد أبان تدبيرها لعدد من الملفات الحيوية عن قدر كبير من الارتباك وغياب الإرادة السياسية الكفيلة بمعالجة قضايا جوهرية تشغل بال المواطن المغربي، من قبيل غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، وضعف منظومة التعليم العمومي، إضافة إلى الاختلالات البنيوية التي يعرفها قطاع الصحة. ولم تعد هذه الإشكالات مجرد صعوبات ظرفية مرتبطة بسياق دولي أو اقتصادي معين، بل تحولت إلى معضلات بنيوية تمس الاستقرار الاجتماعي وتؤثر بشكل مباشر في ثقة المواطنين في السياسات العمومية، ومن هنا تبرز مسؤولية الاتحاد الاشتراكي في تقديم قراءة نقدية عقلانية وموضوعية لهذه الاختلالات، بعيدا عن الشعبوية أو المزايدة السياسية أو الخطاب العدمي، إذ لم يعد المواطن يتقبل معارضة تكتفي بالتشخيص أو التذمر، بل ينتظر خطابا سياسيا مسؤولا يوضح مكامن الخلل ويقدم بدائل واقعية قابلة للتنفيذ. ويرتبط بهذا الرهان رهان اخر لا يقل أهمية، يتمثل في إعادة المشروع الاجتماعي الديمقراطي إلى واجهة النقاش العمومي باعتباره الإطار القادر على تقديم أجوبة متوازنة للتحديات الاجتماعية الراهنة، ففي ظل التراجع النسبي لدور الدولة في بعض القطاعات الاجتماعية وتفاقم الفوارق الطبقية والمجالية، يظل الاتحاد الاشتراكي مدافعا عن ضرورة تعزيز تدخل الدولة لضمان العدالة الاجتماعية، وتقوية الخدمات العمومية، وحماية الطبقة المتوسطة التي تعد إحدى الركائز الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والتي كانت من بين أكثر الفئات تضررا خلال التجربة الحكومية الحالية، ويشكل هذا التوجه خطوة أخرى لتكريس العمق الاجتماعي لهوية الحزب التاريخية، ولكن بصيغة سياسية متجددة تستوعب تحولات المجتمع وتقترب من تطلعات الأجيال الصاعدة، خاصة الشباب، بما يعيد الاعتبار للفكر الاجتماعي الديمقراطي كخيار واقعي لتحقيق التنمية والإنصاف. لا يمكن إغفال المعطى التاريخي الذي يشكل أحد أهم عناصر قوة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، باعتباره حزبا ديمقراطيا لعب أدوارا محورية في مسار بناء الدولة الحديثة وترسيخ العمل المؤسساتي بالمغرب، كما ساهم بشكل أساسي في الدفاع عن قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية خلال مختلف مراحل التحول السياسي التي عرفتها البلاد، فهذا الرصيد النضالي المتراكم، رغم ما يثار حوله أحيانا من نقاش أو نقد، يظل مرجعية سياسية وأخلاقية تمنح الحزب مشروعية خاصة داخل المشهد الحزبي، خاصة في مواجهة أحزاب حديثة العهد تفتقر إلى العمق السياسي والتجربة التدبيرية، غير أن الاتحاد الاشتراكي لا يتعامل مع تاريخه كرصيد رمزي فقط، بل يسعى إلى تحويله إلى قاعدة لبناء مشروع سياسي متجدد يستجيب لتحديات المرحلة الراهنة، ويمنح للممارسة الحزبية معنى يتجاوز استحضار الماضي نحو استشراف المستقبل. وفي هذا السياق، يشهد الحزب اليوم دينامية تنظيمية واضحة تقوم على تجديد هياكله وتعزيز حضوره الميداني، حيث انخرط خلال السنوات الأخيرة في ورش تنظيمي واسع مكن من تجديد أكثر من سبعين كتابة إقليمية على امتداد التراب الوطني، في خطوة تعكس إرادة حقيقية لإعادة الحيوية إلى الفروع المحلية وتقوية ارتباط الحزب بالمجتمع، كما أن هذه الدينامية رافقتها عملية تجديد للنخب الحزبية، مع منح مكانة متقدمة للشباب داخل الهرم التنظيمي، سواء على مستوى المسؤوليات الحزبية أو المشاركة في صياغة التصورات والبرامج، وهو ما يعكس وعيا متزايدا بضرورة فتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على تجديد الخطاب السياسي للحزب وتعزيز حضوره في النقاش العمومي، وبذلك، يسعى الاتحاد الاشتراكي إلى الجمع بين رصيده التاريخي وديناميته التنظيمية المتجددة، بما يعزز قدرته على لعب دور فاعل في الاستحقاقات السياسية المقبلة. في هذا السياق، تبرز أهمية تجديد الخطاب السياسي كأحد المفاتيح الأساسية لكسب الرهان الانتخابي المقبل، إذ يفرض السياق الوطني الراهن على الأحزاب تطوير لغتها السياسية وأساليب تواصلها مع المجتمع، خاصة مع فئات الشباب والطبقة المتوسطة التي تأثرت بشكل مباشر بتداعيات السياسات الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، وقد أظهر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خلال المرحلة الماضية وعيا متزايدا بهذه التحولات، من خلال تبني خطاب سياسي متجدد يقوم على الوضوح والمسؤولية والبعد عن الشعبوية والمزايدات الظرفية، وهو خطاب حاول من خلاله الحزب التعاطي مع مختلف الأحداث الوطنية بروح مسؤولة وبمنظور وطني يضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الضيقة، ويعيد الاعتبار للعمل السياسي كفضاء للنقاش العقلاني وصياغة الحلول الجماعية. كما يستند هذا التوجه إلى مرجعية الحزب الاجتماعية الديمقراطية التي شكلت دائما أحد أبرز ملامح هويته السياسية، وهي المرجعية التي تؤهله لأن يكون فاعلا أساسيا في النقاش الدائر حول النموذج الاجتماعي الذي يسعى المغرب إلى ترسيخه، والقائم على تحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وضمان العدالة الاجتماعية، فمن خلال دفاعه المستمر عن تقوية الخدمات العمومية، وحماية الطبقة المتوسطة، وتعزيز تكافؤ الفرص، يسعى الاتحاد الاشتراكي إلى تقديم تصور سياسي واجتماعي متكامل ينسجم مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي ومع الطموح إلى بناء دولة اجتماعية قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين. أما على مستوى القدرة على كسب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، فإن الحزب يراهن على التحولات التي طرأت على السلوك الانتخابي لدى جزء من الناخبين، خاصة في المدن، حيث بدأت تتشكل قناعة متزايدة بضرورة البحث عن بدائل سياسية تمتلك التجربة المؤسساتية والرؤية الإصلاحية القادرة على معالجة الاختلالات التي كشفت عنها التجارب الحكومية الأخيرة، غير أن هذا الرهان يظل مرتبطا بتحديات موضوعية أبرزها استمرار العزوف الانتخابي وتراجع منسوب الثقة في العمل السياسي، وهي تحديات لا تخص حزبا بعينه بقدر ما تعكس أزمة أعمق يعيشها الحقل السياسي برمته. ومن ثم، فإن رهانات الاتحاد الاشتراكي في المرحلة المقبلة لا تقتصر على تحقيق نتائج انتخابية، بل تتجاوز ذلك نحو المساهمة في إعادة بناء الثقة في السياسة وإعادة الاعتبار لدورها في خدمة الصالح العام وإرساء معادلة اجتماعية أكثر توازنا داخل المجتمع المغربي. (*) عضو المجلس الوطني للشبيبة الاتحادية