«مرويات طبيب يروّض الحمق" سلسلة صحافية تسلّط الضوء على كواليس الممارسة الطبية، من زاوية مختلفة، حيث لا تكون الحالات وحدها موضوع الحكي، بل أيضاً السلوك، الذهنيات، وسوء الفهم الذي يحوّل أحياناً البديهي إلى معضلة. من داخل قاعات الانتظار، وغرف الفحص، وممرات المستشفيات، تنسج هذه الحلقات قصصاً قصيرة، واقعية، تلتقي فيها الطرافة بالمرارة، والعلم بالجهل، والمسؤولية الطبية بسلوكيات تضع الطبيب أمام اختبارات يومية تتجاوز التشخيص والعلاج. يروي سي عبد اللطيف الركادي إنه في إحدى ليالي المداومة، وكانت الساعة تقترب من الثانية صباحًا، كان السكون يخيّم على أروقة المصلحة، ولا يُسمع سوى وقع خطوات متقطّعة أو همسات عابرة في غرف المرضى. غير أنّ ذلك الهدوء لم يدم طويلًا؛ إذ انشقّ صمت الليل على صوتٍ جهوريٍّ قادم من بعيد، يمتزج فيه الغناء بالنحيب، ويختلط فيه الضحك بالبكاء، في مشهدٍ يجسّد اضطرابًا مزاجيًّا حادًّا لا يستقرّ على حال. أُدخل إلى المصلحة رجلٌ في حالة هيجان بيّن، يتقلّب بين انفعالات متناقضة: تارة يرفع صوته بأغانٍ شعبية، وتارة يجهش بالبكاء كطفلٍ تائه. كان واضحًا أنّ الأمر يتجاوز نوبة انفعال عابرة، وأنّ التدخّل الهادئ والحكيم هو السبيل الوحيد لتفادي تفاقم الوضع. اقتربتُ منه بخطوات محسوبة، وخاطبته بنبرة منخفضة، محاولًا تبديد مخاوفه واستمالته إلى الحوار. وبعد محاولات متكرّرة، قبل على غير المتوقّع أن يدخل المكتب للتحاور، مشترطًا ألّا يرافقنا أحد من أقاربه. لم يكن في الأمر متّسعٌ للتردّد؛ وافقتُ على شرطه، مع الإبقاء على الباب نصف مفتوح تحسّبًا لأي طارئ، وهو إجراء احترازي تفرضه طبيعة مثل هذه الحالات. جلس قبالتي، وبيننا مسافة مهنية مدروسة. استهللت الحديث بسؤال بسيط عن هويته، فجاءني الجواب واثقًا: — اسمي عبد العزيز الستاتي. توقّفت لحظة، واعتقدت أنّ الأمر لا يعدو تشابهًا في الأسماء، فأعدت السؤال. غير أنّ الإجابة جاءت أكثر تأكيدًا: — عبد العزيز الستاتي. حاولتُ تعميق الاستيضاح، فقلت: — أهو مجرّد تشابه في الاسم بينك وبين المغنّي الشعبي المعروف، أم أنّك تقصد أنّك هو بعينه؟ أجاب دون تردّد: — أنا عبد العزيز الستاتي، بعظمي ولحمي. كان من الواضح أنّنا أمام إحدى مظاهر تضخّم الهوية، وهي صورة إكلينيكية معروفة في بعض الاضطرابات المزاجية الحادّة. غير أنّني، بدافع اختبار مدى ترسّخ هذا الاعتقاد، قلت له بنبرة لا تخلو من استفزازٍ محسوب: — المعروف عن الستاتي أنّ له إصبعًا سادسًا في يده، ولذلك لُقّب بالستاتي، فأين إصبعك السادس؟ جاء ردّه خاطفًا وحادًّا، يحمل قدرًا من السخرية والانفعال، بما لا يليق بسياق حوارٍ علاجي. عندها أدركتُ أنّ الاستفزاز — وإن كان مهنيًّا في ظاهره — لم يكن الخيار الأمثل في تلك اللحظة، وأنّ تهدئة الوضع أولى من الاسترسال في اختبار القناعات الوهمية. أنهيت الحوار بهدوء، وطلبت من الطاقم التمريضي اتخاذ الإجراءات العلاجية اللازمة لاحتواء حالته، فتمّ إخضاعه لجرعة مهدّئة وإدخاله إلى المصلحة قصد الاستشفاء والمراقبة. لم تمضِ سوى أيّام معدودة حتى بدأت ملامح التحسّن تلوح عليه. استعاد نبرة أكثر اتزانًا، وهدأت انفعالاته، وغابت عنه تلك القناعة التي كان يجاهر بها في ليلة دخوله. وكلّما مازحته قائلًا: "كيف حال الستاتي اليوم؟" ارتسمت على وجهه ابتسامة خجولة، وسارع إلى الاعتذار عمّا بدر منه من ألفاظ لا تنسجم — على حدّ تعبيره — مع ما يقتضيه الاحترام الواجب بين المريض وطبيبه. كان اعتذاره صادقًا، نابعًا من إحساسٍ داخلي بالمسؤولية الأخلاقية، لا من ضغطٍ أو توبيخ. بل إنّ تلك الكلمة التي صدرت عنه في لحظة اضطراب ظلّت تؤرقه أكثر ممّا أثّرت فيّ. في بهو المصلحة كان يتفادى إطالة النظر نحوي، أمّا داخل المكتب فكان يلتزم صمتًا متزنًا، ويتحدّث باقتصادٍ شديد، وكأنّه يزن كلّ كلمة قبل أن ينطق بها. هذه الحادثة، على بساطتها، تختزل درسًا عميقًا في الممارسة الطبية، ولا سيّما في مجال الطبّ النفسي: فليس كلّ ما يُقال في لحظة اضطراب يعكس حقيقة الإنسان، ولا كلّ سلوك عابر يمثّل جوهر شخصيّته. إنّ المرض قد يدفع بصاحبه إلى أقوالٍ وأفعال لا تعبّر عن قيمه الحقيقية، لكنّ التربية الراسخة سرعان ما تستعيد زمام المبادرة حين يستعيد العقل توازنه. التعبير سلوك، والسلوك نتاج تربية، والتربية في جوهرها احترام. وبين اضطراب اللحظة ونُبل الاعتذار، تتجلّى إنسانية المريض كما تتجلّى مسؤولية الطبيب: أن يفرّق بين الإنسان وعلّته، وأن يمنح لكلٍّ منهما ما يستحق من فهمٍ وصبرٍ وتقدير.