مواعيد حزبية    بيان حقيقة لولاية أمن سلطات ينفي مزاعم تعرض فتاة للاختطاف    سعد الشرايبي رئيساً للجنة تحكيم الدورة الخامسة عشرة للجامعة السينمائية بمكناس    بورصة الدار البيضاء تستهل تداولاتها بأداء إيجابي        الاتحاد الوطني لطلبة المغرب يعبر عن غضبه من طرد 18 طالبا بجامعة ابن طفيل ويطالب بإلغاء القرار        رشيد رفيق يغضب من "شائعة الوفاة"    كفير "جودة" يحسن المناعة والهضم    وزير الشغل: 50 ألف منصب شغل مهدد بالفقدان    مصرع 6 أشخاص وإصابة 8 آخرين في حادثة سير بإقليم الجديدة    أزيد من 3 ملايين مسافر عبر مطارات المغرب في يناير..ومراكش المنارة في الصدارة    النفط يتجاوز 100 دولار رغم سحب احتياطيات استراتيجية وسط اضطرابات الإمدادات    آيندهوفن يحدد سعر بيع إسماعيل الصيباري في 40 مليون يورو    فدرالية اليسار والاشتراكي الموحد يتجهان للوائح انتخابية مشتركة في الاستحقاقات المقبلة    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    أكرد يخضع اليوم لعملية جراحية قد تهدد حضوره في المونديال    رضا بناني، موهبة واعدة تحلم بالتألق في البطولات العالمية للتنس    ترجمات القرآن -19- ترجمة ريتشارد بيل للقرآن.. السجع والترتيب والتاريخ!    مارسيلو: لم أعد أتابع كرة القدم باستثناء ريال مدريد واتجهت إلى السينما والموضة    أخبار الساحة    27 دولة من بينها المغرب توقع في باريس إعلانا حول تمويل الطاقة النووية    الريال يقسو على السيتي وسان جيرمان يرد الاعتبار أمام تشيلسي في ليلة الأهداف الأوروبية    مراكش تحتضن النسخة الأربعين من جائزة الحسن الثاني الكبرى للتنس    غياب الخطة قد يورّط واشنطن في حرب طويلة مع إيران . .ترامب يؤكد أن «القصف الأمريكي المكثف والدقيق» سيستمر لأيام دون انقطاع    من المعاريف إلى موسكو... رحلة طالب مغربي في قلب الاتحاد السوفياتي -02-    استغلال كبير للشهر الفضيل من أجل تحقيق ربح أكبر .. «اجتياح» جيوش المتسولين للشوارع والفضاءات المختلفة يكشف أعطابا مجتمعية كبيرة    ورشة تطبيقية ميدانية في الإسعافات الأولية لفائدة التلاميذ و الأطر التربوية بمدرسة ابن حمديس    رواية «أَرْكَازْ»: فى حقول «أزغار» الفيحاء -19-    رحلة في تاريخ المدن المغربية -19- إفران... جوهرة الأطلس التي تجمع بين سحر الطبيعة وروعة المعمار    استقبال الطالبي العلمي من قبل الرئيس الشيلي الجديد    وزارة العدل تؤكد دراسة إحداث محكمة ابتدائية بأزمور ومركز قضائي ببئر الجديد    عندما يخفي الفشل بذور النجاح -19- فيلم «برازيل» لتيري غيليام : من من الرفض الأولي إلى التكريم    عبد الهادي بلخياط ... حكاية أغنية -19- الموسيقار عزيز حسني يتذكر «متاقشي بيا» .. عرضها حسن القدميري على سميرة سعيد وطلبها محمد الحياني لكن غناها عبدالهادي بلخياط    ماري-لويز بلعربي: حكاية ستة عقود من الشغف بالكتاب -19- فرانك بيروسيل (كتبي سابق): ماري-لويز، الإنسانية المرهفة    «مرويات طبيب يروّض الحمق» -19- بين اضطراب اللحظة ونُبل الاعتذار، تتجلّى إنسانية المريض    الاتحاد الاشتراكي ورهان استعادة الثقة في العمل السياسي    425 مليون درهم استثمارات رمضان .. التلفزيون يهيمن والعدالة الإشهارية تحت المجهر    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    أنشطة اجتماعية متعددة لفائدة نزيلات السجن المحلي بتطوان    أٌقرب حليف لترامب في أوروبا.. ميلوني تصف قصف مدرسة في إيران ب"المجزرة" وتنتقد الضربات الأمريكية والإسرائيلية    ترامب: إيران تقترب من نقطة الهزيمة        ليس من بينها المغرب.. ثماني دول تدين إغلاق سلطات الاحتلال المسجد الأقصى أمام المصلين    "نفس الله"    الحرب الأوكرانية السياق والتداعيات والمخاطر والفرص    المغاربة الموالون لأعداء الوطن هم اليوم في حداد    أمن تطوان يكذّب إشاعة "محاولة اختطاف طفل بوزان" ويكشف حقيقة التسجيل الصوتي المتداول    المعهد الوطني للعمل الاجتماعي يخلّد اليوم العالمي لحقوق المرأة بتكريم نسائه وتنظيم ندوة علمية    الزاوية القادرية البودشيشية بقيادة شيخها سيدي معاذ تطلق مجالس الانوار بمذاغ تنزيلا للامر المولوي السامي    الحمل ومرض السكري.. تفكيك الأفكار الخاطئة في المجتمع المغربي    قراءة الموقف الملكي من حرب الخليج على ضوء تطوراتها الخليج الآن: ما تنبَّأ به محمد السادس …يقع 2/2    كيف تدبر الأسرة اختلاف أجيالها في رمضان ؟    مكتسبات وإخفاقات في يوم المرأة العالمي        الفركتوز المضاف إلى الأغذية المصنعة يؤذي الكلى    مؤسسة علال الفاسي تنظم ندوة فكرية حول « السيرة النبوية» بمناسبة مرور 15 قرناً على المولد النبوي    عمرو خالد يقدم برنامجًا تعبديًا لاغتنام العشر الأواخر من شهر رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«مرويات طبيب يروّض الحمق» -19- بين اضطراب اللحظة ونُبل الاعتذار، تتجلّى إنسانية المريض

«مرويات طبيب يروّض الحمق" سلسلة صحافية تسلّط الضوء على كواليس الممارسة الطبية، من زاوية مختلفة، حيث لا تكون الحالات وحدها موضوع الحكي، بل أيضاً السلوك، الذهنيات، وسوء الفهم الذي يحوّل أحياناً البديهي إلى معضلة.
من داخل قاعات الانتظار، وغرف الفحص، وممرات المستشفيات، تنسج هذه الحلقات قصصاً قصيرة، واقعية، تلتقي فيها الطرافة بالمرارة، والعلم بالجهل، والمسؤولية الطبية بسلوكيات تضع الطبيب أمام اختبارات يومية تتجاوز التشخيص والعلاج.
يروي سي عبد اللطيف الركادي إنه في إحدى ليالي المداومة، وكانت الساعة تقترب من الثانية صباحًا، كان السكون يخيّم على أروقة المصلحة، ولا يُسمع سوى وقع خطوات متقطّعة أو همسات عابرة في غرف المرضى. غير أنّ ذلك الهدوء لم يدم طويلًا؛ إذ انشقّ صمت الليل على صوتٍ جهوريٍّ قادم من بعيد، يمتزج فيه الغناء بالنحيب، ويختلط فيه الضحك بالبكاء، في مشهدٍ يجسّد اضطرابًا مزاجيًّا حادًّا لا يستقرّ على حال.
أُدخل إلى المصلحة رجلٌ في حالة هيجان بيّن، يتقلّب بين انفعالات متناقضة: تارة يرفع صوته بأغانٍ شعبية، وتارة يجهش بالبكاء كطفلٍ تائه. كان واضحًا أنّ الأمر يتجاوز نوبة انفعال عابرة، وأنّ التدخّل الهادئ والحكيم هو السبيل الوحيد لتفادي تفاقم الوضع.
اقتربتُ منه بخطوات محسوبة، وخاطبته بنبرة منخفضة، محاولًا تبديد مخاوفه واستمالته إلى الحوار. وبعد محاولات متكرّرة، قبل على غير المتوقّع أن يدخل المكتب للتحاور، مشترطًا ألّا يرافقنا أحد من أقاربه. لم يكن في الأمر متّسعٌ للتردّد؛ وافقتُ على شرطه، مع الإبقاء على الباب نصف مفتوح تحسّبًا لأي طارئ، وهو إجراء احترازي تفرضه طبيعة مثل هذه الحالات.
جلس قبالتي، وبيننا مسافة مهنية مدروسة. استهللت الحديث بسؤال بسيط عن هويته،
فجاءني الجواب واثقًا:
— اسمي عبد العزيز الستاتي.
توقّفت لحظة، واعتقدت أنّ الأمر لا يعدو تشابهًا في الأسماء، فأعدت السؤال. غير أنّ
الإجابة جاءت أكثر تأكيدًا:
— عبد العزيز الستاتي.
حاولتُ تعميق الاستيضاح، فقلت:
— أهو مجرّد تشابه في الاسم بينك وبين المغنّي الشعبي المعروف، أم أنّك تقصد أنّك هو بعينه؟
أجاب دون تردّد:
— أنا عبد العزيز الستاتي، بعظمي ولحمي.
كان من الواضح أنّنا أمام إحدى مظاهر تضخّم الهوية، وهي صورة إكلينيكية معروفة في بعض الاضطرابات المزاجية الحادّة. غير أنّني، بدافع اختبار مدى ترسّخ هذا الاعتقاد، قلت له بنبرة لا تخلو من استفزازٍ محسوب:
— المعروف عن الستاتي أنّ له إصبعًا سادسًا في يده، ولذلك لُقّب بالستاتي، فأين إصبعك السادس؟
جاء ردّه خاطفًا وحادًّا، يحمل قدرًا من السخرية والانفعال، بما لا يليق بسياق حوارٍ
علاجي. عندها أدركتُ أنّ الاستفزاز — وإن كان مهنيًّا في ظاهره — لم يكن الخيار الأمثل في تلك اللحظة، وأنّ تهدئة الوضع أولى من الاسترسال في اختبار القناعات الوهمية.
أنهيت الحوار بهدوء، وطلبت من الطاقم التمريضي اتخاذ الإجراءات العلاجية اللازمة لاحتواء حالته، فتمّ إخضاعه لجرعة مهدّئة وإدخاله إلى المصلحة قصد الاستشفاء والمراقبة.
لم تمضِ سوى أيّام معدودة حتى بدأت ملامح التحسّن تلوح عليه. استعاد نبرة أكثر اتزانًا، وهدأت انفعالاته، وغابت عنه تلك القناعة التي كان يجاهر بها في ليلة دخوله. وكلّما مازحته قائلًا: "كيف حال الستاتي اليوم؟" ارتسمت على وجهه ابتسامة خجولة، وسارع إلى الاعتذار عمّا بدر منه من ألفاظ لا تنسجم — على حدّ تعبيره — مع ما يقتضيه
الاحترام الواجب بين المريض وطبيبه.
كان اعتذاره صادقًا، نابعًا من إحساسٍ داخلي بالمسؤولية الأخلاقية، لا من ضغطٍ أو توبيخ. بل إنّ تلك الكلمة التي صدرت عنه في لحظة اضطراب ظلّت تؤرقه أكثر ممّا أثّرت فيّ. في بهو المصلحة كان يتفادى إطالة النظر نحوي، أمّا داخل المكتب فكان يلتزم صمتًا متزنًا، ويتحدّث باقتصادٍ شديد، وكأنّه يزن كلّ كلمة قبل أن ينطق بها.
هذه الحادثة، على بساطتها، تختزل درسًا عميقًا في الممارسة الطبية، ولا سيّما في مجال الطبّ النفسي: فليس كلّ ما يُقال في لحظة اضطراب يعكس حقيقة الإنسان، ولا كلّ سلوك عابر يمثّل جوهر شخصيّته. إنّ المرض قد يدفع بصاحبه إلى أقوالٍ وأفعال لا تعبّر عن
قيمه الحقيقية، لكنّ التربية الراسخة سرعان ما تستعيد زمام المبادرة حين يستعيد العقل توازنه.
التعبير سلوك، والسلوك نتاج تربية، والتربية في جوهرها احترام. وبين اضطراب اللحظة ونُبل الاعتذار، تتجلّى إنسانية المريض كما تتجلّى مسؤولية الطبيب: أن يفرّق بين الإنسان وعلّته، وأن يمنح لكلٍّ منهما ما يستحق من فهمٍ وصبرٍ وتقدير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.