وجد المواطن المغربي نفسه مرة أخرى أعزل في مواجهة تداعيات ما يجري في الشرق الأوسط، رغم أن تلك الحرب تبدو جغرافياً بعيدة عنا بآلاف الكيلومترات. غير أن المسافة الجغرافية لم تمنع وصول نيرانها إلى جيوب المغاربة وموائدهم، لأن المحروقات في الاقتصاد المعاصر لم تعد مجرد سلعة عادية، بل أصبحت الشريان الذي تمر عبره كلفة النقل والإنتاج والفلاحة والصناعة والخدمات، بل وحتى أسعار المواد الأساسية التي يستهلكها المواطن يومياً. صحيح أن للحروب كلفة إنسانية وقيمية عميقة، لأن الخاسر الحقيقي في أي حرب هو الإنسان، مهما كان دينه أو جنسه أو لونه. غير أن المغاربة وجدوا أنفسهم اليوم يواجهون وجهاً آخر للحرب، وجهاً اقتصادياً قاسياً لا يسمع فيه صوت المدافع، لكنه يضرب مباشرة القدرة الشرائية ويعيد تشكيل ميزانيات الأسر من جديد. ففي الوقت الذي يتم فيه تبرير الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات بتوترات الشرق الأوسط واحتمال إغلاق مضيق هرمز، يعيش المغاربة واقعاً مختلفاً تماماً: زيادات متسارعة ومفاجئة في الأسعار، تسبق أحياناً حتى التأثيرات الفعلية للسوق الدولية، وكأن السوق الوطنية تعيش حالة استنفار دائم كلما تحركت مؤشرات النفط في العالم. وقد بلغت الزيادات الأخيرة مستويات لافتة، حيث ارتفع سعر البنزين في بعض المحطات بما يقارب درهمين للتر الواحد، بينما تجاوزت الزيادة في الغازوال درهماً ونصفاً، وهي زيادات قد تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في الحقيقة تتحول إلى كلفة ضخمة عندما تنعكس على النقل والمنتوجات الفلاحية وأسعار السلع والخدمات. ذلك أن كل درهم إضافي في المحروقات يتحول تلقائياً إلى زيادات متتالية في مختلف القطاعات، لأن النقل يشكل الحلقة الأساسية في سلسلة الإنتاج والتوزيع. وهكذا تنتقل الزيادة من محطة الوقود إلى شاحنات النقل، ثم إلى أسواق الجملة، ثم إلى جيوب المواطنين في شكل أسعار مرتفعة لكل شيء تقريباً. المفارقة أن هذه الزيادات تحدث في سياق اقتصادي يعرف فيه المغرب سنة فلاحية واعدة وأمطاراً مهمة كان يفترض أن تخفف الضغط عن الأسواق، وأن تمنح الفلاحين ومربي الماشية نوعاً من الطمأنينة. غير أن الواقع يكشف أن الارتفاع المستمر في كلفة الطاقة أصبح يبتلع كل أثر إيجابي محتمل لتلك الظروف الطبيعية الجيدة. الأخطر من ذلك أن سوق المحروقات في المغرب ظل منذ تحرير الأسعار قبل سنوات يعيش حالة تركّز واضحة، حيث تتحكم شركات معدودة في أغلب الحصة السوقية، وهو ما يحد عملياً من المنافسة الحقيقية ويجعل هامش التحكم في الأسعار واسعاً. وفي ظل هذا الوضع، لم يعد المغاربة يفهمون كيف ترتفع الأسعار بسرعة كبيرة كلما ارتفع النفط في السوق الدولية، بينما تتباطأ أو تختفي الانخفاضات عندما تتراجع الأسعار العالمية. وهو ما يعمق الإحساس بأن قواعد اللعبة داخل هذا القطاع الحيوي لا تخضع دائماً لمنطق الشفافية والتوازن. لقد قيل للمغاربة عند تحرير سوق المحروقات إن المنافسة ستؤدي إلى تحسين الأسعار والخدمات، وإن السوق الحرة ستخلق توازناً تلقائياً بين العرض والطلب. لكن ما حدث عملياً هو أن المواطن وجد نفسه في مواجهة سوق محررة من الضوابط أكثر مما هي محررة للمنافسة. فأين هو الاحتياطي الاستراتيجي الذي كان يفترض أن يحمي البلاد من الصدمات الخارجية؟ وأين هي الخزانات التي نصت عليها دفاتر التحملات لضمان حد أدنى من الأمن الطاقي؟ وأين هي آليات المراقبة التي كان يفترض أن تضمن عدم تحول السوق إلى مجال للمضاربة والربح السريع؟ اليوم، ومع كل أزمة دولية جديدة، يبدو أن السوق الوطنية تعيد السيناريو نفسه: ارتفاع سريع في الأسعار، تبريرات جاهزة مرتبطة بالظروف الدولية، وصمت طويل حول هوامش الربح الحقيقية داخل هذا القطاع. إن الفراقشية في مجال المحروقات ومن يدور في فلكهم لا يبدو أنهم يفكرون إلا في منطق الربح، بينما تُترك البلاد والمواطن لمواجهة المجهول الاقتصادي. والنتيجة أن المواطن المغربي أصبح يدفع ثمن حرب لا يملك قرارها، وثمن سوق لا يملك القدرة على التأثير في قواعدها. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس اقتصادياً فقط، بل سياسي ومجتمعي أيضاً: من يحمي السوق الوطنية ومن يحمي المواطن؟ إن استمرار هذا الوضع ينذر بتهديد التوازن الاقتصادي والاجتماعي، لأن مسلسل الزيادات في المحروقات لا يبقى محصوراً في هذا القطاع، بل يتحول إلى موجة تضخمية تضرب مختلف القطاعات وتزيد من طحن المواطن الذي لم يعد يحتمل المزيد من الضغوط. لكن في المقابل، فإن الديمقراطية لا تقوم فقط على الشكوى، بل على المحاسبة أيضاً. فإذا كان القضاء مخولاً، بموجب الدستور والقوانين الجاري بها العمل، بمراقبة الممارسات الاحتكارية وحماية قواعد المنافسة، فإن المواطن بدوره يمتلك سلاحاً لا يقل قوة: المحاسبة السياسية عبر صناديق الاقتراع. فهل يتحرك المواطن لتأديب هؤلاء انتخابياً في الاستحقاقات القادمة؟ ام ان الريع سيجد نفسه وسيلة لصنع الخريطة الانتخابية . أم سيظل المتحكمون في سوق المحروقات يراكمون الأرباح، بينما يراكم المواطنون مزيداً من المعاناة؟ ذلك هو السؤال الذي سيظل معلقاً في الفضاء العام...