هو اتفاق ربما أثار من التمزقات، الفردية والجماعية، أكثر من أي اتفاق آخر في التاريخ، لهذا سيكون من غير العقلاني إغفال هذا البعد في التعامل معه، ولقد شعرت بما شعر به المتنبي في زمن قديم: « وَمِن نَكَدِ الدُنيا عَلى الحُرِّ أَن يَرى … عَدُوّاً لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ» . وقد كان الذي قاده إليه شقيق له، ما من عداوته بد! يمكن أن نخمن، نحن الذين رأينا المواقف الداعمة، أن هذا التمزق الشكسبيري- بين الإرادة والرغبة، بين العقل والقلب- يكون قد مس الدولة نفسها في ممثلها الإنساني.. ولا شك أن التنازع بين العقل الاستراتيجي وبين العاطفة الوجدانية مع شعب فلسطين يأخذ حجما أكبر عند من يتخذ القرار، وأكثر ممن يناقشه وهو بعيد عن تحمل المسؤولية… ولعل الوعي به كان حاضرا من خلال التعامل الرزين والديموقراطي مع رفض المغاربة للحرب على غزة، طوال سنتين، وكذلك رفض الدولة المغربية التعالي عنه أو منع التعبير عنه، حتى صرنا الدولة الوحيدة ربما التي عرفت هذا الزخم العاطفي على طول الخريطة العربية الإسلامية… هناك الثقة في البلاد وقيادتها، وهناك إرث عاطفي نفسي وشعوري لا يخلو من حدة، خصوصا عندما تتجاوز إرادة القوة عند الإسرائيليين كل الحدود المتعارف عليها أخلاقيا بين الدول، حد الإبادة. ولعل الضرورة هنا تفرض النقاش و«الكتارسيس» السياسي الشامل لنا، كما تفرض أن نرجح المواقف بعقلانية . -الاتفاق من زاوية المقاربة السياسية تعرض لامتحانات وصمد في هاته الفترة المشتعلة. ولنا أن نسأل: لماذا كان الاتفاق المغربي هو الوحيد الذي تعرض لهاته الهجومات بكل هذه القوة، والتي لم تتعرض لها مصر- أولى الموقعين على الاتفاق مع إسرائيل-؟ ولنا أن نسأل إلى أي حد كادت حسابات الداخل والخارج أن تلتقي، وكيف يمكن أن نفتح الموضوع دون أن نخسر، لا سيما وأن منا من يعتبر بأن الاتفاق مع إسرائيل كان «تأمينا» للاتفاق مع الموقف الأمريكي، في قضية مصيرية وفي سنة جوهرية. الاتفاق، يطرح مع الحرب الإيرانية الحالية والقضية في الأمتار الأخيرة، وهي بين يدي أمريكا، الطرف الحاسم في القضية: ونطرح السؤال بوضوح جارح: هل يمكن للمغرب أن يغامر بإدانة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، وهو على بعد أسابيع من تاريخ حاسم هو أبريل القادم؟ هناك من اختار التدبير الأخلاقي للاتفاق لكي يعفي نفسه من هذا السؤال، ومن السؤال المترفع عنه بالضرورة: هل نكتفي بترديد الموقف الأخلاقي المبدئي، أم نطرح بدائل لما اختارته الدولة؟ بمعنى: هل يمكن للفاعل السياسي المعارض رسم خارطة أخرى للتقدم في مسار الدفاع وتقوية الموقف المغربي، أم يكتفي بالتنديد دون اكتراث بنتيجة القطيعة؟ وهو سؤال لا يريح الكثيرين ممن ينزاحون بوضوح نحو المواقف العقدية، على حساب التعقيد الذي يطرحه وجود مشروع نفي مطلق للدولة والأمة والنظام. ليس كل من يعارض الاتفاق الثلاثي، هو بالضرورة قريب من إيران أو من محور حماس. فلا شك أن مغاربة لا علاقة لهم بأي موقع أيديولوجي جيوسياسي، يرون في الاتفاق اختبارا قاسيا لهم وعنصر قلق وتشويش عاطفي ووجودي عميق على فهمهم لهويتهم الإنسانية ثم الوطنية. هؤلاء موجودون وعلى البلاد أن تناقشهم. لقد عشنا تجربة مماثلة عند إحراق المسجد الأقصى، وقتها كان الملك الحسن الثاني قد اختار أن يحسم مطالب المغرب في موريتانيا، والاعتراف بوجودها المستقل من أجل أن تنجح الأمة في الاجتماع سنة 1969 مقابل بناء منظمة المؤتمر الإسلامي التي أصبحت منظمة التعاون الإسلامي. فهل يكون على المغرب مجددا أن يحسم في التخلي عن صحرائه، مثلا أو تمطيط الصراع من أجلها، بقطيعة مع أمريكا مقابل موقف مبدئي، لصالح قضيتنا الفلسطينية؟ سؤال قد يبدو مبالغا فيه لكنه ضروري لتكبير الصورة والتفكير بجدية في كل الاحتمالات! أخيرا هل يكتفي الفاعل السياسي بالتمزق أو بالموقف المطلق، أم يكون عليه أن يفكر من باب البديل الذي قد يقترحه على بلاده في حالة اقتناعها بتغيير مقاربتها؟ من المؤكد أنه لا بد من البديل.. وهو ما لم يقم به أي فريق. في حالات سابقة .. كان ممكنا، لكن الذي وقع هو أن الشقيق دفع شقيقه إلى البحث عن حليف ليحميه من حماقاته، وحماقات عساكره!