بقلم : علي طالب لم تكن نسخة كأس أمم إفريقيا 2025 مجرد محطة كروية عابرة في مسار الكرة المغربية، بل كانت اختبارا حيا لقدرات المملكة الاستراتيجية وهي تستعد لاستضافة الحدث الأبرز عالميا في 2030. ورغم أن الصافرة النهائية لم تمنح المغرب اللقب الذي طال انتظاره، إلا أنها أعلنت عن ميلاد قوة تنظيمية قارية بمعايير دولية، نجحت في تحويل الملاعب والمدن المغربية إلى مسارح عالمية أبهرت المراقبين وكسرت الصورة النمطية عن القارة السمراء. لقد كان "كان المغرب 2025" بمثابة الرسالة القوية للفيفا وللشركاء الدوليين؛ حيث قدمت المملكة بنية تحتية لوجيستيكية وفندقية وأمنية تفوق بمراحل متطلبات التظاهرات القارية. غير أن هذا التفوق الهادئ أزعج خصوم النجاح، فانتقلت المعركة من المستطيل الأخضر إلى غرف البروباغندا المظلمة، حيث حيكت أساطير "الكولسة" المزعومة في محاولة يائسة لتبخيس منجز وطني صار عصيا على الإنكار. اليوم الدرس الأكبر الذي سيحمله المغرب معه إلى مونديال 2030 هو المناعة ضد الابتزاز الرياضي. فقد كشفت البطولة أن ريادة المغرب الكروية، وتصدره للتصنيفات القارية والدولية، أصبحت مستهدفة بحملات شحن وتجييش تجاوزت المنطق الرياضي لتصل إلى حد الإساءة للقيم المشتركة. ولعل السلوكيات غير الرياضية التي صدرت عن بعض الأطراف، بما في ذلك مدرب السنغال وقلبه مدربي جنوب إفريقيا ومصر، كانت بمثابة جرس إنذار للمغاربة بأن طريق الريادة العالمية لا يفرش بالورود، بل يتطلب نفسا طويلا وقدرة على إدارة الأزمات المفتعلة. بمنطق الربح والخسارة، خسر المغرب كأسا من معدن، لكنه ربح نظام تشغيل تنظيمي متكامل سيشكل العمود الفقري لملف 2030. أثبتت الأجهزة المنظمة والأمنية من خلاله نضجا كبيرا في احتواء الاستفزازات والحفاظ على انسيابية العرس الكروي رغم الضغوط. هذا النضج هو الذي سيجعل من المغرب شريكا موثوقا في تنظيم النسخة الأكبر من كأس العالم، حيث لا مكان للأراجيف أمام سلطة الميدان وجودة الإنجاز. اليوم، يخرج المغرب من هذه التجربة أكثر وعيا ببيئته الإقليمية والقارية، وأكثر إصرارا على مواصلة المسار. على اعتبار أن العرق والدماء التي بذلها أسود الأطلس على العشب، والجهود الجبارة التي بذلتها سواعد المغاربة في البناء والتنظيم، هي الاستثمار الحقيقي الذي سيثمر مجدا كرويا وتنظيميا في القادم من المواعيد. فشكرا لكل من ساهم في رفع راية الوطن، وبئسا لمن اختار التضليل وسيلة لمواجهة نجاح لا يملك أدوات مجاراته.