أكد محمد الغلوسي، المحامي والحقوقي ورئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، أن التشريع لمهنة المحاماة على المقاس ليس فعلا معزولا، بل يندرج ضمن سياق تشريعي عام يستهدف تعميق الجسور مع توجه يسعى لتكريس التراجع عن المكتسبات الحقوقية والقانونية والمؤسساتية، والالتفاف عليها تحت مبررات التقنين والتنظيم. وقال محمد الغلوسي إن هذا التوجه تجلى بوضوح في كيفية عزل المجتمع المدني والسلطة القضائية في معركة مكافحة الفساد، من خلال المادة 3 من قانون المسطرة الجنائية، واصفا تمرير هذا القانون بأنه تم خلسة وبما يشبه الإجماع ليفلت من مقص المحكمة الدستورية، في تعارض تام مع المادة 132 من الدستور. وأضاف الغلوسي أن هذا التوجه النكوصي هو المتضرر الأول من وجود محاماة قوية ومستقلة تشكل حصنا للعدالة، لكونه يرفض المساواة أمام القانون ويخشى العدالة. كما شدد على أن هذا التيار يشعر بالضرر من تحول قضية الفساد إلى دينامية مجتمعية ووعي متنام بخطورته كسرطان يقوض التنمية، معتبرا أن الوقت حان بالنسبة لهذا التوجه لإعاقة هذه الدينامية وقلب الطاولة على مناهضي الفساد، سواء كانوا تنظيمات أو مؤسسات. واستطرد الغلوسي موضحا أن هناك محاولات لتسفيه المطالب المجتمعية بتخليق الحياة العامة، عبر وضع قوانين تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وحماية المبلغين في الثلاجة والأرشيف، فضلا عن إقبار الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد. وأشار إلى أن هذا المنحى تكرر بصيغ أخرى في قانون الصحافة وما سمي بالتنظيم الذاتي، وصولا إلى قوانين المسطرة المدنية والإضراب. وأوضح الغلوسي أن الأمر يتعلق باختلال واضح في ميزان القوى المجتمعي، جعل التوجه المستفيد من زواج السلطة والمال يشعر بأنه في منطقة راحة وأمان، مما دفعه لمحاولة القيام ب"ريمونتادا" على الدستور والتراكمات الحقوقية التي تحققت بتضحيات جسام، معتبرا إياها تقديرات خاطئة مبنية على مؤشرات ظرفية لا يمكن أن تكون قاعدة للتشريع. وفي ختام تدوينته، حذر محمد الغلوسي من أن هذا المنحى يضر بالدولة والمجتمع على حد سواء، كونه يعمق الهوة بين الفاعل الرسمي والمجتمع، ويهدد التوازن المطلوب بين القوى الاجتماعية، خاصة في ظل ظرفية دولية يطبعها الغموض واللايقين.