شكيب لعلج..44 ألف مقاولات توقفت كليا أو جزئيا بجهة الدار البيضاء    الرباط.. المؤسسة الوطنية للمتاحف ووزارة الثقافة تعززان تعاونهما    نوفمبر 2020.. موعدا للقاهرة السينمائي    المغرب.. تسجيل 45 إصابة جديدة ب"كورونا" و294 حالة شفاء إضافية    قرار مفاجئ.. الكولونيل الجزائري “بدوي” يلغي المنافسة مع صناعة السيارات المغربية    عدد الاعتقالات خلال الاحتجاجات الأمريكية تخطى ال10 آلاف شخص    أوباما للمحتجين: تمسكوا بالأمل حتى عندما تغضبون لأن التغيير قادم    المظاهرات تتصاعد بالولايات المتحدة و أعداد المحتجين تتزايد في محيط البيت الأبيض    المغرب يسجل 45 حالة من أصل 9699 تحليلا مخبريا في آخر 16 ساعة بنسبة إصابة تصل إلى %0.46    صورة بيانية: الحصيلة الجديدة للمصابين بفيروس كورونا بالمغرب    بتعليمات ملكية .. إجراء اختبارات كورونا للعاملين في القطاع الخاص    الموت والحياة (الحلقة الثالثة)    الطريق السيار الرباط - الدارالبيضاء: 50 مليون درهم لبناء جسر على مستوى بدال تمارة    أمريكا تصعد ضد الصين وتمنع طائراتها من دخول أراضيها    القصر الكبير..تفاصيل عودة كورونا بإصابة 7 حالات مؤكدة لمخالطين في بؤرة عائلية    فيروس كورونا يكشف الفوارق في مجال الوصول الى التعليم في المغرب العربي    تونس: "أجواء مشحونة" في جلسة مساءلة الغنوشي    تعديل تهمة الشرطيين الأربعة الذين أوقفوا فلويد لتصبح "القتل"    روسيا تطور تقنيات غير مسبوقة لقياس سرعة الرياح على مسافات كبيرة    زجل : باب ف باب    فرنسا..المغربي ياسين بوجوامة يوقع عقده الاحترافي الأول مع بوردو    توقعات أحوال طقس الخميس    الدوري الأميركي للمحترفين: نجوم غولدن ستايت يتظاهرون ضد العنف العنصري    بيد الله يطالب الحكومة بالتدخل لإعادة أموال التأمين إلى مالكي السيارات الخصوصية    الأحزاب تسيج الحقل السياسي بالعنف اللفظي!    نادال يحتفل بعيد ميلاده بشكل غير اعتيادي    بلغاريا تشهد عودة الدوري بحضور الجماهير    شالكه الألماني يجهز مفاجأة للمغربي نسيم بوجلاب    المغرب يضع إسبانيا أمام خيارين لا ثالث لهما بخصوص مستقبل سبتة ومليلية!    درك "أولاد أمبارك" يفك لغز إحراق سيارة ببني ملال    جوزي مورينيو يبدي اهتمامه بخدمات زهير فضال    تقرير رسمي: 15 ألف محل لبيع الدجاج "خارج القانون" بالمغرب    عالم أوبئة ينتقد سبل التعاطي مع مخاطر "كورونا" في السويد    أمن مراكش يحجز ألف لتر من مسكر "ماء الحياة"    منع الصلاة بالكنائس .. هل تعيد الطوارئ سؤال العلمانية في الغرب؟    محامون متمرنون يؤدون اليمين باستئنافية أكادير    طنجة.. توقيف 6 اشخاص بالطريق الرهراه كانوا بصدد الإعداد للهجرة السرية    الاتحاد الإماراتي يسدل الستار على قضية مراد باتنا    مطالب بمراعاة السياحة في "قانون المالية التعديلي"    العلاقات بين الرباط ومدريد تزداد متانة وتطورا رغم مكائد اللوبي الانفصالي    جمعية تُندد بمتابعة ناشط حقوقي في "الشماعية"    انتشار الأوبئة في "مغرب زمان" .. الكوليرا تنسف البشر والحجر    فعاليات طاطا تقدم توصيات من أجل حماية الواحات    في زمن كورونا…تجار مخدرات قوية في قبضة أمن تطوان    جهة مراكش تسجل 10 إصابات جديدة ب"كورونا"    هولندا تدعو مواطنيها لعدم السفر إلى المغرب    المخرج المسرحي عبد الصمد دينية في ذمة الله    سوق الماشية ب"الڭفاف" يستأنف الرواج في خريبكة    إصابات كورونا حول العالم تتخطى حاجز ال 6.5 ملايين    الملك يدعو المقاولات للقيام بتشخيص مكثف لتدبير كورونا    «المسيح… النبي المفقود» لأحمد الدبش 2 الكنيسة المصرية طالبت بمصادرته    “تجفيف منابع الإرهاب” للدكتور محمد شحرور 34 – العقل النقدي يوصلنا إلى نمو المعرفة الإنسانية بالوجود الموضوعي    وفاة الفنان الفكاهي المغربي محمد بشار المعروف ب “زروال”    دعاء من تمغربيت        مراكش.. وفاة السيناريست والكاتب المسرحي حسن لطفي    "التوحيد والإصلاح" تعود إلى "الأصالة المغربية" بطبع كتب "التراث الإسلامي" للبلاد    "مظاهر يقظة المغرب الحديث"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





«يوميات روسيا 2018.. مشاهدات على هامش المونديال».. شاي روسي -الحلقة5
نشر في اليوم 24 يوم 11 - 05 - 2019

في هذه اليوميات، التي كتبت مباشرة عقب العودة من روسيا، حيث نظم مونديال 2018 لكرة القدم، سيجد القارئ رحلة صحافية مثيرة؛ فيها الكثير من المعاناة، ولكن فيها أيضا الكثير من الكشف عن مناحي الحياة الإنسانية. بين السطور تمتزج رحلة صحافية يبحث من خلالها صاحب اليوميات عن الخبر، والجديد، ليكتب كل يوم لجريدته، وهوامش مهمة للغاية، تنقل للناس صورة روسيا اليوم، أو انطباعات شخصية عن روسيا اليوم، وهي الأصح.

كما لو أن شوارع موسكو الفسيحة كانت تنتظر انعتاقنا. وجدناها مبتسمة، مثل نهر جار وممتد، على جانبيه عمارات جميلة العمران، مثل شجر متسق متطاول، وبأرصفة ممهدة، تتيح لك السير بهدوء، وأنت تمتع العينين بالنظر إلى ما حولك.
كان الجو جميلا في تلك الساعة من ليلة عيد الفطر. ولم يترك لنا هشام بنثابت، الزميل الصحافي بجريدة العلم، فرصة لكي نسأل، على سبيل البسط، هل أعلنت وزارة الأوقاف في روسيا رؤية الهلال أم لا. بادرنا إلى القول «إنه العيد. إنه العيد». ورحنا نبحث هذه المرة عن محل لبيع مأكولات تطفئ لظى الجوع.
لم نعرف كم مشينا من الكيلومترات في تلك الساعات من الليل. كنا نمشي فقط. ثم حين نريد أن نتوقف، نقرر أن نمشي مجددا. تتوزعنا آراء مختلفة. وفي النهاية، استسلم الشباب لرأيي، ودخلنا محلا، فارغا، إلا من فتاة بقامة طويلة وبذلة بيضاء، يعرض بعض المأكولات. كما لو أنه محل لبيع القطع الذهبية، برخامه البني الجميل، وأعمدته المتناسقة وسطه، ونظافته البراقة. قدرنا أنه بين مخبزة ومحلبة ومقهى.
استقبلتنا الفتاة بابتسامة عريضة، وهي تقف مثل بطلة للمصارعة خلف ثلاجة شفافة تتضمن حلويات ومأكولات. ولأننا كنا قد تجاوزنا صراط الحجز للسفر إلى سان بيترسبورغ وكالينينغراد، فقد قررنا أن نطلب لأنفسنا أكلة طيبة، مهما غلا ثمنها. سألناها عن طبيعة المأكولات لديها، وشرحت لنا بما تيسر من إنجليزية. ثم اتخذنا لنا مجلسا حول مائدة جميلة جدا، تطل على الشارع الفسيح، بأضوائه وقليل ناسه.
استسلمنا لخدر الشاي الروسي الجميل الذي قدمته لنا الفتاة. يا سلام عليه، وعلى البراد الزجاجي الشفاف. ثم رحنا نتجاذب أطراف الحديث عما رأيناه. وكان السؤال الوحيد الذي يشغل بالنا: «هل هذه هي روسيا التي ظل الإعلام الغربي يسوقها لنا على أنها دولة تحبو، وأنها منغلقة ولا تبتسم؟». وأجلنا الجواب إلى وقت لاحق، حتى نكتشف المزيد. ذلك أننا كنا شبه مخدرين بفعل التعب. لقد مشينا حوالي 18 كيلومترا في ذلك اليوم (حسب ما أكده الشباب لاحقا، ممن يعتمدون على خدمات خاصة في الهواتف الرقمية). وهو اليوم الأخير من شهر رمضان. وفي مكان لا نعرفه، ونسمع لغة لا نعرفها.
لم نصل إلى الفندق إلا حوالي الثانية من صباح اليوم الموالي. وكان همنا حينها أن ننام. لا شيء آخر. شعرنا بلذة الانتصار، لقد فزنا في نهاية المطاف على تيهنا وحيرتنا. وها نحن الآن أمام تحد جديد. علينا أن نستيقظ مبكرا؛ حوالي الخامسة والنصف، فأمامنا سفر آخر، وهذه المرة نحو يوم فيه عمل. فاليوم هو الجمعة الخامس عشر من يونيو، أي يوم المباراة التي سيلعبها المغرب ضد إيران. هيا إذن.
لم ننم سوى للحظات معدودات، بفعل التعب وقرص الشمس المعلق في السماء بضوئه المشع. ثم إذا بنا في بهو الفندق الجميل بحديقته الغناء. ثم ها نحن في مطار موسكو، بعد رحلة سبعين كيلومترا بالطاكسي. فضلنا ألا نغامر بالذهاب في الميترو، ومنه إلى القطار الرابط بين المدينة والمطار. قلنا جميعا: «لنمض بالطاكسي الآن، ثم نجرب حظنا في الإياب. سيكون ذلك في المتناول. مادمنا الآن على أهبة رحلة مهمة، قد تضيع منا لسبب أو آخر».
حين وصلنا إلى سان بيترسبورغ، التي بدت من الطائرة عبارة عن لوحة فنية تتغير إلى الأجمل بتغير وضعية رائيها؛ بخضرتها، ومائها، ووجهها الحسن، لم نكن نملك عنوانا قارا نمضي إليه. لا شيء على الإطلاق. واتفقنا على الذهاب رأسا إلى الملعب، لكي نحصل على التذاكر، وندقق في المكان. فأيا كان الحال، لم يبق على المباراة سوى ساعات، ولن يكون بإمكاننا سوى أن نقتات ونبدأ العمل.
في الميترو كنا إزاء مطب جديد. يلزمنا الحصول على تذكرة لكل منا، فالتذكرة المجانية التي كانت بحوزتنا محصورة في موسكو. وهنا تدخلت فتاة روسية من تلقاء نفسها. مجددا. نعم حدث ذلك مجددا. لتقول لنا: «هل لي أن أساعدكم؟». أشرنا برؤوسنا بالموافقة. ثم إذا بها تبادر باصطحابنا إلى مكتب بيع التذاكر. ثم حصلت لنا على قطعة نقدية صغيرة تلزمنا لكي نعبر من المعبر الآلي. بل وضعت القطعة لكي ترينا ما يلزمنا فعله. وحرصت على أن تكون آخر من يتجاوز المعبر، حتى تطمئن. ثم قبلت أن تلتقط معنا صورة تؤرخ الذكرى، وطلبت منا، بعدها، وبهدوء كبير، وأدب جم، وابتسامة مستمرة، أن نمضي خلفها حتى تقودنا إلى الميترو الصحيح. ثم ابتسمت، وانحت، وذهبت إلى حال سبيلها، كما لو أنها لم تفعل شيئا.
ومرة أخرى تعطلت لدينا لغة الكلام تحت وقع المفاجأة الساحرة. كم مرة وجدنا أنفسنا إزاء تصرف من هذا القبيل في هذا البلد الذي جئناه للتو؟ هل فعلا هؤلاء الناس طيبون أم إنهم مأمورون بأن يكونوا طيبين معنا؟ هل هذه هي الصورة الحقيقية لروسيا، أم إن هؤلاء الروس متجهمون بطبعهم وقد غيرهم موسم المونديال؟
وبينما نحن كذلك محتارون في تفسير ما يقع، إذ بمحطة الميترو الجميلة تسافر بنا إلى عالم مثير. يا للأنفاق الساحرة. عبارة عن متاحف فنية جميلة جدا. بأدراجها التي تحمل المئات في لحظات. وبأعمدتها القوية المغلفة بالرخام الملون. وبلوحاتها المزينة للأسقف. وبقطاراتها التي تأتي في الحين، وتسرع بك إلى المحطة المرغوبة.
كان يتعين علينا أن نغير الاتجاه في لحظة معينة، حسب توجيهات الفتاة. وهو ما فعلناه في الوقت المناسب. غير أن القطار الجديد سرقني وزميلي رزقو إذ ركبناه بسرعة، في حين علق البقية، بفعل التردد، في المحطة الأولى. واتفقنا، بالإشارة، على أن نلتقي عند بوابة الملعب بعد حين. وهو ما سيقع لاحقا، ليحكي بعضنا للبعض الآخر، وبشغف وإعجاب، عن المبادرات الإنسانية المتكررة للروس إزاءنا، وعن جمالهم الفتان، وعن أشياء أذهبت عنا الحزن، ولو إلى حين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.