ياسين كحلي الخميس 5 فبراير 2026 - 1:37 التحولات الجوهرية في النظام القانوني للشيك.. قراءة تحليلية في أبعاد القانون رقم 71.24 في ظل التحولات العميقة التي تشهدها المنظومة القانونية المغربية، يأتي صدور القانون رقم 71.24 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، ليشكل منعطفا حاسما في فلسفة التعامل مع "ورقة الشيك" كأداة وفاء. وقد لطالما طرحت السياسة الجنائية في مادة الشيك إشكالات عويصة وازنت بصعوبة بين الزجر الهادف لحماية الثقة الائتمانية، وبين الآثار الاجتماعية والاقتصادية السالبة للحرية. ومع دخول هذا القانون حيز التنفيذ بتاريخ نشره في الجريدة الرسمية يوم 29 يناير 2026، نجد أنفسنا أمام مقاربة تشريعية جديدة تعيد صياغة القواعد القانونية، وتضع آليات بديلة للعقاب التقليدي . من هذا المنطلق، يتبادر إلى ذهننا كباحثين في شأن القانوني الإشكال الجوهري التالي : إلى أي حد استطاع المشرع المغربي، من خلال القانون 71.24 الموازنة بين الحفاظ على قوة الشيك التداولية وضمان حقوق الدائنين، وبين أنسنة السياسة العقابية وتكريس مبادئ الصلح والتسوية؟ إذن لمقاربة هذه الإشكالية، سنعمد إلى تحليل مقتضيات هذا النص الجديد وفق منهجية قانونية رصينة، تستكشف أبعاد التعديلات الإجرائية والموضوعية وآثارها المباشرة على الدعوى العمومية . أولا : تقييد المتابعة الزجرية بآلية الإعذار المسبق والرقابة القضائية البديلة لقد أحدث القانون رقم 71.24 ثورة إجرائية في المادة 325 من مدونة التجارة، حيث لم تعد المتابعة الجنائية في جرائم الشيك آلية أو تلقائية، بل أصبحت مقيدة بشرط جوهري يتمثل في توجيه إعذار للساحب. هذا التحول يعني قانونا أن النيابة العامة، عبر ضباط الشرطة القضائية، ملزمة بمنح الساحب فرصة أخيرة لتسوية وضعيته داخل أجل ثلاثين يوما، وهو أجل مرن يمكن تمديده لفترة مماثلة شريطة توافق إرادة الساحب والمستفيد . إن العمق التحليلي لهذا المقتضى يكشف عن رغبة المشرع في تحويل العدالة الجنائية من عدالة عقابية إلى عدالة استخلاصية؛ فالهدف ليس سلب الحرية، بل ضمان الوفاء . وما يعزز هذا الطرح هو إقرار المشرع لتدابير المراقبة القضائية المنصوص عليها في المادة 161 من القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية كبديل عن الحراسة النظرية والاعتقال، مع التركيز على المراقبة الإلكترونية عبر "السوار الإلكتروني". وهذا الاختيار التشريعي يضمن التوفيق بين ضرورة بقاء الساحب تحت يد العدالة وبين تمكينه من حرية الحركة اللازمة لتوفير السيولة المالية الكفيلة بأداء مبلغ الشيك أو الخصاص، مضافا إليه غرامة مالية بنسبة %2 تؤدى بصندوق المحكمة، وهو ما يترتب عنه حفظ الشكاية قانونا ومنع تحريك الدعوى العمومية . ثانيا : الحصانة الجنائية للروابط الأسرية وتكريس مبدأ التبرير القانوني في قراءة سوسيو-جنائية متمعنة، نجد أن المشرع المغربي استحدث في المادة 316 من قانون 71.24 موانع للمسؤولية الجنائية تروم حماية السلم الأسري. كيف ذلك؟ فقد نص القانون صراحة على أن إصدار شيك دون مؤونة أو إغفال تكوينها لا يشكل جريمة ولا يستوجب عقوبة إذا وقع بين الأزواج أو الأصول أو الفروع من الدرجة الأولى، وبالتالي هذا المقتضى لا يعد مجرد إعفاء، بل هو "سبب تبرير" ينفي الصفة الإجرامية عن الفعل نظرا لخصوصية رابطة القرابة. والأكثر عمقا هو تمديد هذه الحماية لتشمل فترة أربع سنوات تالية لانحلال ميثاق الزوجية، وهو مقتضى يهدف إلى منع استغلال الشيك كأداة لتصفيات حسابات ما بعد الطلاق، مما يحمي الروابط الأسرية من التفكك الناجم عن الملاحقات الزجرية . ثالثا : مراجعة الهندسة العقابية وإعادة توصيف الأركان المادية للجرائم لقد طال التغيير الجوهري المادة 316 من مدونة التجارة، حيث تم استبدال توصيف "عدم توفير المؤونة" بتوصيف أدق قانونا وهو "إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها قصد أداء الشيك عند تقديمه"، هذا التعديل يفرض على القضاء النيابة العامة تكييف المتابعات وفقا لمرونة هذا التوصيف، بالإضافة إلى عقلنة الجزاء. الملاحظ هنا أن المشرع قد ألغى العقوبة الحبسية في المادة 319 من نفس القانون المتعلقة بقبول الشيك على سبيل الضمان، مكتفيا بغرامة قدرها %2 من قيمة الشيك، وهو اعتراف بصعوبة محاربة هذه الممارسة عبر السجن وتركيز على الردع المالي . في المقابل، تم ضبط عقوبات المسطرة في المادة 316 من مدونة التجارة بين ستة أشهر وثلاث سنوات، بينما شدد المشرع في المادة 318 من نفس القانون العقوبة لتصل لسنتين حبسا لمن أصدر شيكا خرقا للمنع البنكي أو القضائي، مع الإبقاء على عقوبات التزوير المشددة (تصل ل 5 سنوات) صيانة للثقة العامة. ومن النقاط الحساسة التي يجب التنبه إليها هي استثناء هذه الجرائم صراحة من نظام العقوبات البديلة المنصوص عليه في القانون رقم 43.22، مما يغلق الباب أمام إمكانية استبدال الحبس المحكوم به بأي تدبير آخر غير الأداء . رابعا : الصلح الجنائي اللاحق وأثره في تطهير المركز القانوني للساحب يعتبر هذا المحور حجر الزاوية في فلسفة القانون 71.24، حيث أقر المشرع نظاما متكاملا للتسوية اللاحقة يسري في جميع مراحل التقاضي. ففي مرحلة المحاكمة، يؤدي أداء مبلغ الشيك أو الخصاص مع غرامة % 2 إلى سقوط الدعوى العمومية بقوة القانون. أما الامتداد النوعي لهذا المقتضى، فيتجلى في إمكانية إيقاف تنفيذ العقوبات السالبة للحرية حتى بعد صدور أحكام نهائية حائزة لقوة الشيء المقضي به؛ إذ بمجرد قيام المحكوم عليه المعتقل بأداء قيمة الشيك أو إدلاءه بتنازل المستفيد، مشفوعا بأداء الغرامة المالية المحكوم بها لفائدة الخزينة، يتعين على النيابة العامة إصدار تعليمات فورية للمؤسسة السجنية للإفراج عنه. وبالتالي فهذا المقتضى يعيد صياغة مفهوم "الردع" ليصبح وسيلة لتحقيق "الوفاء"، بحيث تصبح الحرية مكافأة قانونية فورية للأداء المالي . خامسا : النطاق الزمني لسريان القانون وضوابط التطبيق الفوري بناء على دخول هذا القانون حيز التنفيذ يوم 29 يناير 2026، فإن تفعيله يثير إشكالية الأثر الفوري والرجعي للقوانين. فبينما تخضع المتابعات الجديدة حصرا لمسطرة الإعذار، فإن المتابعات التي كانت جارية قبل هذا التاريخ لا تعاد فيها المسطرة، لكن أصحابها يستفيدون من جميع "الضمانات الموضوعية" الجديدة باعتبارها قانونا أصلح للمتهم، خاصة ما يتعلق بشروط سقوط الدعوى وإيقاف التنفيذ عند الأداء. وتجدر الإشارة إلى أن المشرع قد ألغى شرط المدة الزمنية لرد الاعتبار لمن استوفى ذمته المالية ، مما يسهل إعادة الإدماج الاقتصادي السريع للساحب وتطهير سجله العدلي فور الأداء، وهو مقتضى يتماشى مع البعد التحفيزي للقانون الجديد . ختاما، يمكن القول ان القانون رقم 71.24 يمثل الانتقال النوعي من "الزجر الصرف" إلى "العدالة التصالحية والائتمانية"، حيث أصبح الشيك محصن بضمانات التوازن بين حق الدائن في الاستخلاص وحق المدين في عدم التعرض لسلب الحرية متى أثبت حسن نيته عبر الأداء. وبالتالي فنجاح هذا الإصلاح رهين بيقظة النيابة العامة والممارسين في تنزيله تنزيلا دقيقا يحقق غايات المشرع . وبناء عليه، نخلص إلى التوصيات التالية : * ضرورة التفعيل الصارم لمسطرة الإعذار بالنسبة للأشخاص المبحوث عنهم فور إيقافهم، وتجنب الإيداع المباشر في السجن متى كانت التسوية ممكنة تحت نظام المراقبة القضائية . * تفعيل آلية الإفراج الفوري عن المعتقلين بمجرد ثبوت الأداء أو التنازل وأداء الغرامة المحكوم بها، دون انتظار مساطر إدارية معقدة، إعمالا لمبدأ الفورية في إيقاف التنفيذ . * التزام النيابة العامة بتوحيد توصيف المتابعة وفق الصيغة الجديدة "إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها" لضمان انسجام العمل القضائي . * اليقظة في استبعاد جرائم الشيك من ملتمسات العقوبات البديلة، نظرا للاستثناء الصريح الوارد في القانون الجديد، والحرص على سلوك طرق الطعن في حالة صدور أحكام مخالفة . * استثمار تقنيات المراقبة الإلكترونية "السوار الإلكتروني" كبديل ناجع للحد من الاعتقال الاحتياطي خلال فترة الإعذار، بما يضمن حقوق الأطراف وتوازن العملية القضائية . مستشار قانوني وباحث في العلوم القانونية الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة