يقدّم الدكتور حميد النهري، الأستاذ الجامعي بكلية الحقوق بطنجة، قراءة فكرية في كتاب «الذكاء الاصطناعي ومستقبل الثقافات والفنون والديموقراطية» للباحث المغربي إدريس القري، واضعًا هذا العمل ضمن سياق عالمي يشهد تحولات متسارعة لم تعد فيه التكنولوجيا مجرد أداة للراحة والسرعة، بل أصبحت قوة بنيوية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. تنطلق هذه القراءة من فكرة أساسية مفادها أن الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعًا تقنيًا صرفًا، بل تحول إلى قضية حضارية تمس جوهر الثقافة والخيال والقرار الإنساني. فالقري، كما يبرز النهري، لا ينخرط في خطاب الانبهار بالتكنولوجيا، ولا في منطق الرفض المطلق، بل يقترح مقاربة نقدية تتساءل عن القيم التي قد تضيع داخل تسارع الخوارزميات، وعن أشكال السلطة الجديدة التي تمارسها التقنية في صمت. وفي هذا الإطار، يسلّط النهري الضوء على البعد الثقافي للصراع الدولي المعاصر، حيث لم تعد المنافسة بين الدول مقتصرة على الموارد التقليدية، بل امتدت إلى اللغة والصورة والسرديات. ويبرز أن الذكاء الاصطناعي، من خلال اعتماده على قواعد بيانات تهيمن عليها لغات وثقافات بعينها، قد يعيد إنتاج الهيمنة الثقافية في صيغة رقمية ناعمة، تتحكم في ما يُعرض وما يُحجب، وتوجّه الأذواق دون وعي مباشر من المستخدم. كما تتوقف القراءة عند سؤال السيادة الثقافية، حيث يطرح القري – وفق تحليل النهري – إشكاليات عميقة حول امتلاك البيانات والأرشيف الرمزي، مؤكداً أن الثقافات التي لا تبادر إلى رقمنة ذاتها وتطوير أدواتها قد تجد نفسها مجرد موضوع داخل المنظومة الرقمية بدل أن تكون فاعلاً فيها. وفي الجانب السياسي، يبرز النهري أن الكتاب يفتح نقاشًا دقيقًا حول مستقبل الديموقراطية في ظل هيمنة الخوارزميات، إذ لم يعد الخطر في إلغاء حرية الاختيار، بل في إعادة تشكيله قبل أن يُمارس. فأنظمة التوصية، كما يشير، لا تفرض الآراء بشكل مباشر، لكنها تبني بيئات إدراكية قد تدفع الأفراد إلى تبني مواقف محددة، مما يهدد النقاش العمومي الحر ويضعف المسافة النقدية لدى المواطن. أما في المجال الفني، فتتجلى إحدى أبرز أفكار الكتاب في مفهوم «الإبداع بلا روح»، حيث يحذر من تحول الفن إلى مجرد إنتاج تقني سريع يفتقد للتجربة الإنسانية العميقة. فالآلة، رغم قدرتها على محاكاة الأساليب وإنتاج صور مبهرة، تظل عاجزة عن عيش التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من ألم وذاكرة وقلق، وهي عناصر تشكل جوهر الإبداع الحقيقي. ويركز النهري أيضًا على فكرة «الاستلاب الإبداعي»، التي تشير إلى خطر تحول الإنسان إلى مستهلك لخيال جاهز تنتجه الآلة، بدل أن يكون منتجًا لمعناه الخاص. وهو ما قد يؤدي، على المدى البعيد، إلى تراجع الحس الإبداعي والقدرة على تحويل التجربة الإنسانية إلى تعبير فني أصيل. ورغم الطابع التحذيري لهذا الطرح، يؤكد النهري أن القري لا يتبنى موقفًا تشاؤميًا، بل يدعو إلى بناء نموذج إنساني للذكاء الاصطناعي، يقوم على احترام القيم الأساسية مثل الحرية والكرامة والتنوع. غير أن تحقيق هذا النموذج، كما يبرز، يظل رهينًا بإرساء تشريعات ملائمة، وتعزيز التربية الرقمية، وضمان السيادة الثقافية، إلى جانب إشراك مختلف الفاعلين من مفكرين وفنانين وقانونيين إلى جانب المهندسين. وتخلص هذه القراءة إلى أن أهمية الكتاب تكمن في كونه يطرح أسئلة عميقة تتجاوز الاستعمالات السطحية للتكنولوجيا، ليضع الذكاء الاصطناعي في قلب النقاش حول مستقبل الإنسان ذاته. فالتحدي، في نهاية المطاف، لا يتعلق بمدى تطور الآلة، بل بقدرة الإنسان على الحفاظ على وعيه النقدي، والمشاركة الفاعلة في توجيه هذا التحول بدل الاكتفاء باستهلاكه.