على فرنسا أن تبدأ في تعلّم الرّياضيات من الصّفر حتى لا تغلط في الحسَاب مع المغرب مُستقبلا، وأن تنسَى أنها كانت مُستعمِرَة يوما لنا، وتعرف كذلك أن الأيام سِجَال، وأنّ الأحوال تتبدّل وتتغيّر بين الناس، وتراجع التاريخ، سيقول لها إنّنا كُنّا إمبراطورية تجمَع الحُكم بين ضفّتي البحر المتوسط، وإنّ ملوك المغرب وسلاطينه حكموا في أوروبا شمالا بالأندلس، وتمّت لهم البَيعة في إفريقيا جنوبًا إلى حدود نهر السينغال. ولكن مع تواتر الأخبار يبدو أنّ فرنسا "وصلات ليها للعظم"، وهي ترى مصالحها الاقتصادية في خطر أمام تقدّم زئير الأسد المغربي في إفريقيا. نعرف أن فرنسا كانت دولة استعمارية سابقة، ولكنها لم تتخلّ في يوم من الأيام عن هذا الماضي الاستعماري بماضيه الأسود وانتهاكاته الجسام، وأنها نهبت خيرَات وثروات إفريقيا الفرنكوفونية، دون حسيب ولا رقيب، وآن الأوان للكشف عن الحساب. ونسيَت فرنسا الاستعمارية أن "لعنَة كورُونا" قلبت الأمور والموازين بشكل مفاجئ أمام عيونها، إما وهي نائمة أو فاقدة للوعي ولا تعرف ما الذي جرى أمام عيونها في لمح البصر. استفادت دول وتقدّمت وتأخّرت أخرى عن الرّكب، ومنها دولة فرنسا. تناست المسكينة أن السّرعة انتقلت بنا من زَمن "لوموند" وأعوانها ومُموّليها إلى زمن آخر، هو زمن العولمة والعنكبُوت الرّقمي. في هذه الفترة الزمنية الحسّاسة من زمن العولمة وطغيانها، كانت (مَامَاهُم) فرنسا في "دار غَفلون"، نائمة لا تريد أن يطير منها "التّمن"، حتى لا تستفيق من سكرات زَهوها الاستعماري. ولو رأينا بالمنظور البَعيد، يمكننا القول إنه آن لفرنسا اليوم ولمريديها معها في الداخل والخارج أن تعرف أن المَملكة المغربية الشريفة "هربَات عليها"، سواء من خلال تحرّكاتها في إفريقيا أو في شراكاتها الاقتصادية في الجوار مع بعض دول الأوروبية، وإلا ما كنّا قرأنا ولا سمعنا شيئا عن سفاهة جريدة "لوموند" وسفالتها في حقّ ملك البلاد. فرنسا عوّدتنا دائمًا وأبدًا على جُبنها وخُبثها، ما لا تستطيع قوله دولتها العَميقة، مُتمثلة في رئيسها ووزرائها ونُخبها البورجوازية والجيش، تتركه لإحدى الجرائد أو المَجلات الفرنسية، وتمرّر كل ذلك باسم حرية التعبير. نذكر أنه حين ضاق صدرها من تجذّر الإسلام فيها، وتغلغله العميق حتى بين مواطنيها، وتكاثر المساجد في مُدنها وقراها والمسلمين في مُجتمعها، سلطت علينا وعليهم "شارلي إبدو"، "فرانس سوار" وغيرها من المنابر الإعلامية الصفراء، لكي تُسيء للإسلام ورسول المسلمين باسمها. وحين ضايقها المغرب بجديته وصدقه السياسي في إفريقيا، وكاد يمحوها من القارة السمراء، أعطت الأوامر لجريدة "لوموند" لكي تقوم بالواجب، تتفوّه بعَفنها وبذاءتها في حق جلالة الملك، ودائما تحت يافطة حرية التعبير. وعلينا أن نتذكر أن جريدة "لوموند" بالذات أسّسها الجنرال ديغول، بعد خروج الجيش الألماني من أراضيها أثناء الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، ليس بفعل ضراوة المقاومة الفرنسية الشجاعة، ولكن بعد الإنزال الأمريكي لقواته مرّتين، حتى لا يُزايد علينا أحدٌ بعظمتها ومقاومتها. ولكن جيوش الولاياتالمتحدةالأمريكية لن تُنقذ فرنسا أكثر من مرّتين. وقد رأينا، والعالم، كيف جلس ماكرون طائعًا مُستسلمًا، مُربّع اليَدين أمام الرئيس ترامب، كما لو أنه تلميذ جالس يستمع لإملاءات أستاذه، وكيف يبدو في المقابل بطلا قوميا وفاتحا صنديدًا في الجزائر عند كل زيارة، يقبّل الكابرانات والعساكر ومعهم الأهالي يديه في العاصمة، ويطلون برَكاته...!! هل يستطيع أحد أن يقول لي هنا أو يقنعني على الأقل، متى كانت جريدة أسّسها جنرال عسكري ناطقة باسم اليسار والأخوّة والحرية والعدالة، حتى لو كان هذا اليسار "مُعتدلا" كما يدّعون، وكما تدعي النخبة الفرنسية؟ هذه هي فرنسا، وكما تعوّدنا عليها دائمًا وأبدا، تكذب علينا وعلى نفسها ليل نهار جهارًا نهارًا، وتطلب منا أن نصدّقها، إما بالتّرهيب غصبًا عنّا أو بالترغيب عن رضى وغباوة. جريدة "لوموند" ما هي إلا واجهة فرنسا الإعلامية، وهي الناطقة باسم المذهب السياسي الفرنسي العميق، تعبّر عن رأي اقتصادها وجيشها وطموحها الاستعماري، وإن بدت في ظاهرها جريدة "رأي حُرّ"، وهي لا تعدو أن تكون في العُمق واجهة تجميلية للجيش الفرنسي. ولكن في باطنها تعبّر عن برنامج فرنسي سياسي واضح، وناطقة باسم عقيدتها البورجوازية المتوحشة، وعقيدتها العسكرية الدموية في مُستعمراتها السّابقة. خدعونا في الداخل والخارج بقولهم فرنسا "حَسناء"، ورَدّدنا وراءهم بغباء شعارها: "حرية، مساواة، أخوة". وبفعل تأثير أذرعها الإعلامية القويّة والتبعيّة الاقتصادية والثقافية، رَدّدناه في سرّنا وعلانيتنا بالعربية والفرنسية، وكتبناه ونحن طلاب وتلاميذ في بيوتنا على الحيطان. غَرَّ فرنسا الدموية والاستعمارية هذا ال"حُسْنُ"، ومتى كان ملمس الأفاعي أو منظر الثعلب جميلا؟ "إنّ الأفاعي وإن لانت مَلامِسُها/ عندَ التّقلّب في أنيابها عَطبُ". أمّا قبحها فقد صدّرته جنوبا إلى ما وراء البحر الابيض المتوسط، عبر عساكر جيشها ومخابراتها أو إعلامها وجرائدها ومجلاتها إلى دول إفريقيا العسكرية، وأصبحنا نسمع في كل يوم عن انقلاب في الدول الفرنكوفونية التابعة لها ثقافيا وعسكريا في الساحل الإفريقي، قبل أن يتخلصوا منها اتباعا. ورأينا كيف أن عساكر وكابرانات المُرادية لا يريدون التنازل عن السلطة في الجزائر، مهما كان الثمن- "وَاخَا غاديين في الخُسان أحَمّادي". ولم يكن ليتم ذلك العناد الخاسر، بل القاتل اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، إلا بتعاون مع مُخابرات فرنسا ودعمها، وإلحاح من رجالاتها المخلصين لها في الداخل والخارج، لأنها هي من تدافع عنهم، وهي التي عيّنتهم هناك. الملك محمد السادس نصره الله كان ذكيًّا، بدأ في اقتلاع أضراسها وأنيابها الواحد تلو الآخر في المغرب أولا، ثم في إفريقيا ثانيا، بالرغم من مقاومة اللوبي الفرنسي على الضفتين، لأن حياة وبقاء هذا اللوبي رهين بوجود فرنسا. ورغم كل ذلك، حلت الأبناك المغربية محلّ الفرنسية في إفريقيا: التجاري وافا بنك، البنك الشعبي، بنك إفريقيا.. وعوّضت الشركات المغربية نظيرتها الفرنسية: اتصالات المغرب، المكتب الشريف للفوسفاط بكل فروعه، قطاع الخدمات، البناء والطرق، الطاقة والصناعات الأساسية...إلخ، ناهيك عن جاهزية الزّوايا ومفعولها السّحري، أذكر هنا الزاوية التيجانية تحديدا، وما يتبعها من فكر وفلسفة وتصوّف، بالإضافة إلى مبادئ المذهب المالكي الوسطي المُعتدل، وتأطير الفقهاء الأفارقة هنا في المغرب وهناك في بلدانهم الأصلية. هذه العوامل كلها مُجتمعة ما هي إلا وسائل لتطبيق وتوطين راية المملكة المغربية وسياساتها الدينية والاقتصادية بمنطق: رابح- رابح، وبالتالي طرد ديك ديغول من إفريقيا وإسكات صياحه. وقريبا قريبا، ستأتيها الضربة القاضية، ولذلك استبقت الأحداث بترّهاتها حول صحّة الملك ومُستقبل وليّ العهد. الشعب المغربي بعد أن مَحا من ذهنه شيئا اسمه "جون أفريك"، ولم يعد يصدق ترهاتها وأخبارها الزائفة عن الشعب المغربي والملك ودهاليز القصر، ها هو اليوم يفعل نفس الشيء مع جريدة "لوموند". والمغرب لم يعد تابعًا لفرنسا ولا شريكا لها، رغم ما قد نراه من صفقات ال TGV وصفقات أخرى، بل منافسًا قويًّا لها في إفريقيا. وفي المستقبل القريب إن شاء الله تعالى، لن تدخل فرنسا أبواب إفريقيا إلا من بوّابة الصّحراء المغربية كلميم، وعبر جمارك المملكة المغربية الشريفة وطرقاتها. فرنسا تعرف أن الأسد الإفريقي قادم لا محالة، ولم يعد في حاجة إليها. وقد يقول قائل: "هذا حُلم يا مغاربة.."، فماذا يضرنا لو حلمنا بشيء، نراه أقرب إلى الواقع بعُيوننا...؟ المغرب أصبح يعتمد على طاقاته وكفاءات شبابه، وشركاته هي التي تبني السدود والطرقات السيارة والمشاريع الكبرى في المغرب وخارجه في الدول الصديقة، والكفاءات والأيادي المغربية هي التي بنت ملعب الأمير مولاي عبد الله، الأكبر والأجمل والأحسن في إفريقيا، في زمن قياسي. المغرب شيّد ميناء طنجة المتوسطي، وهو الأكبر في إفريقيا وحوض البحر المتوسط، وبذلك يكون قد جمَع "حَبّ وتبن" مع موانئ فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، وقريبا ستشيّد شركة مغربية طريقا سريعًا يربط دول الساحل بين مالي وبوركينافاسو وسط أدغال إفريقيا ورمالها المُلتهبة، وقريبا أيضًا، وهذا هو الأهم، سيُصبح الدرهم المغربي مُتداولا كعُملة في عدد من الدول الإفريقية، وهنا سيصيح الديك الفرنسي ومعه "لوموند" صيحَته الأخيرة، ولن يعود قادرًا بعدها على الصّياح أبدًا، وحتى إن استرجع قدرته على الصياح وصاح، سيكون فجر المغرب قد بزغ، وشمسه سطعت في إفريقيا والعالم، ولم نعُد في حاجة إلى صياحه، فما فائدة صيحَة الديك الفرنسي، بعد آذان الفجر وطلوع الشّمس المغربية..؟