حصريا.. الجرار يزكي بتطوان لأحنين في الاستحقاقات التشريعية 2026    زيارة رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي إلى طنجة المتوسط تبرز ريادة المغرب في تطوير الموانئ        أسرة الأمن تظفر بتخفيضات سككية    نور الدين مضيان يدعو إلى تسريع تدخل الحكومة لاحتواء ارتفاع أسعار المحروقات وصون القدرة الشرائية للمواطنين    غرافينا وبوفون يرحلان.. زلزال الاستقالات يضرب إيطاليا بعد ضياع حلم 2026    أمن الدار البيضاء يفند إشاعة سرقات منسوبة لعمّال التوصيل ويؤكد أنها أخبار زائفة    فرنسا.. الشرطة توقف النائبة في البرلمان الأوروبي ريما حسن بتهمة "تمجيد الإرهاب"    لجنة الاستثمارات تصادق على 44 مشروعا    تيفلت.. إلقاء القبض على طبيبة وموظفة استقبال بعيادتها متلبستين بترويج أقراص طبية لتسهيل عمليات الإجهاض    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة        الرباط تحتضن لقاءً تحسيسيًا حول مستقبل الأشخاص المصابين بالتوحد بعد رحيل آبائهم    "الكونفدرالية": ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للمغاربة تتطلب الزيادة في الأجور والمعاشات    هيئات مغربية تراسل الأمم المتحدة لوقف إعدام الأسرى الفلسطينيين وتحذر من تقويض الحق في الحياة    عناية ملكية:النهوض بالصحة النفسية    موعد دعم فلاحي الفيضانات بالمغرب    ندوة «التصوف والمقاومة الشعبية كيمياء الحياة في أسمى لحظاتها» بأولاد سعيد    عدول المملكة يطالبون بسحب مشروع قانون تنظيم المهنة من البرلمان    منظمة حقوقية: المشروع الجديد الخاص بإعادة تنظيم مجلس الصحافة لا يختلف عن النص السابق    عرض مسرحي بالرباط يحتفي بالفكر والإرث الإنساني للراحلة فاطمة المرنيسي    افتتاح معرض فني جماعي يحتفى بالتراث برواق باب الكبير    ودائع الأسر المغربية في البنوك تسجل نموا ب7,8% لتصل إلى 989,8 مليار درهم        بعد الفشل في التأهل لكأس العالم للمرة الثالثة تواليا.. دعوات لإجراء إصلاحات هيكلية في كرة القدم الإيطالية    مدينة في مواجهة الملل    نقابة تعليمية تستعجل تنفيذ التزامات    ماكرون يعتبر أن تصريحات ترامب بشأن زوجته "ليست لائقة ولا بالمستوى المطلوب"    متحور "سيكادا" يعود للواجهة.. الطيب حمضي يوضح: سريع الانتشار وليس أكثر خطورة    النفط يقفز أكثر من 7% بعد تعليقات ترامب بشأن إيران    8 دول إسلامية: قانون إعدام أسرى فلسطينيين تصعيد خطير يقوض الاستقرار    تقليعة المرافعات في كليات الحقوق: بين بريق الاستعراض ومنطق التسليع    معرض مغربي بواشنطن يحتفي بالإبداع والهوية    مطالب بتقنين مهنة أخصائيي التغذية والحمية وسط تحذيرات من الممارسة غير القانونية    ثورة في تصنيف الفيفا.. فرنسا تنتزع الصدارة والمغرب يثبت أقدامه بين الكبار    الاتحاد المصري يستنكر الهتافات المعادية للمسلمين خلال مباراة إسبانيا    توقيف مروج مخدرات بحي مولاي رشيد وحجز 2100 قرص "ريفوتريل" بالدار البيضاء    إحالة الهجهوج على قاضي التحقيق في حالة اعتقال على خلفية اتهامات ثقيلة    تحليل: الحرب قد تقوي شوكة إيران وتترك دول الخليج في مواجهة العواقب    جمهورية الرأس الأخضر تشيد بالمبادرة الملكية الأطلسية وتدعو إلى اندماج مينائي مع المغرب    بنسبة تقارب %78.. انخفاض حاد في قضايا الاتجار بالبشر في الصين    تشيلسي يعلن خسائر قبل حساب الضرائب بقيمة 262،4 مليون جنيه إسترليني    صدمة للجماهير .. تذكرة نهائي مونديال 2026 تتجاوز 10 آلاف دولار    لمواجهة أزمة المحروقات.. مقترح برلماني لإعفاء الموظفين من التنقل اليومي    جيش إيران يتعهد شنّ هجمات "ساحقة"    غارات جوية تستهدف مركزا طبيا بارزا في طهران وإسرائيل تعلن التصدي لهجمات صاروخية إيرانية    هشام العسري وأسئلة الفن المقلق في المجتمع المغربي    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    توبة فنان    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    الشهبي يفوز بمسابقة وطنية لأدب الطفل    دراسة: زيادات بسيطة في النوم والنشاط البدني تقلل مخاطر أمراض القلب        دراسة حديثة: العمر البيولوجي مفتاح صحة الدماغ وتقليل خطر السكتة        إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مراقبة دستورية قانون المسطرة المدنية..
نشر في هسبريس يوم 10 - 09 - 2025

المحكمة تنتفض ضد الإحالات "البيضاء"
في قرارها رقم 25/255 الصادر في 4 غشت 2025، صرحت المحكمة الدستورية، بناءً على إحالة من رئيس مجلس النواب، بعدم دستورية مجموعة من مواد ومقتضيات القانون رقم 23-02 المتعلق بقانون المسطرة المدنية.
يجب الإقرار بأن القرار لم يكن مفاجئا، لأن الطابع اللادستوري لمجموعة من الأحكام التي "اختارت" المحكمة مراقبتها كان جليا حتى قبل أن تُؤكد المحكمة عدم دستوريتها، بدليل أنها أثارت عدة انتقادات من بعض البرلمانيين والباحثين القانونيين والمحامين وفي وسائل التواصل الاجتماعي.
الإطار القانوني لمراقبة دستورية القانون:
لقد تم إحداث مراقبة دستورية القوانين العادية بمقتضى دستور 1992 الذي أنشأ كذلك المجلس الدستوري الذي عوض الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى.
ودون الدخول في تفاصيل المسطرة، يجدر التذكير بأن المراقبة المسبقة لدستورية القوانين (أي قبل إصدار الأمر بتنفيذها) تتخذ شكلين:
– مراقبة إجبارية للقوانين التنظيمية، بناءً على إحالة من رئيس الحكومة، فور إحالتها عليه؛
– ومراقبة اختيارية للقوانين (العادية) بناءً على إحالة من الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خُمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوًا من أعضاء مجلس المستشارين.
وتُصدر المحكمة قرارها في مسألة مطابقة القوانين (سواء منها التنظيمية أو العادية)، حيث تصرح فيها، حسب الحالة:
– إما أن النص المحال مُطابق، في مجمله، للدستور، أو على الأقل غير مُخالف له (لأن هناك فرق بين العبارتين)؛
– وإما أن النص مُطابق للدستور أو غير مُخالف له، مع مراعاة التفسير الذي أعطته المحكمة لبعض الأحكام؛
– وإما أن النص المحال مُطابق للدستور أو غير مُخالف له، باستثناء الأحكام التي صرحت المحكمة بعدم دستوريتها؛
– وإما أن النص غير مُطابق للدستور، وهو أمر استثنائي، ولم يقع بعد. حيث إن المحكمة قد تكتفي بالتصريح بأن "بأن الإجراءات المتبعة لإقرار القانون...... غير مطابقة للدستور" دون أن تذهب إلى حد القول بأن القانون، بالتبعية، غير مطابق للدستور. (انظر القرار رقم 207/23 بتاريخ 21 فبراير 2023 بشأن النسخة الثانية من لقانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون).
سياق إحالة القانون المتعلق بالمسطرة المدنية إلى المحكمة الدستورية:
تجدر الإشارة، أولا وقبل كل شيء، إلى أنها المرة الأولى في التاريخ الدستوري المغربي التي يتخذ فيها المبادرة لإحالة قانون على القضاء الدستوري للنظر في مدى مطابقته للدستور، بينما جميع الإحالات السابقة، وعددها 19 إحالة (لم يتعد نصيب المحكمة الدستورية منها 5 إحالات) كانت بمبادرة من مجموعة من أعضاء غرفتي البرلمان.
وقد أثار هذا الوضع بعض الانزعاج من جانب الأستاذ محمد أمين بنعبد الله، رئيس المحكمة الدستورية، الذي وجه عتابا صريحا لرئيسي غرفتي البرلمان بسبب تقاعسهما عن أخذ مبادرة اللجوء إلى المحكمة، حيث طلب منهما استحضار أن "تعدد الطعون أمام المحكمة الدستورية لا تنم على وجود خلاف أو خصام بين السلطات، أبدا! فاللجوء إلى المحكمة الدستورية تطهير للقانون دستوريا"، مضيفا أنه "يجب أن ننأى عن فكرة أن اللجوء إلى القاضي الدستوري هو ضد واضع القانون، لا، أبدا، هذا احترام له لأننا نسلم الأمر لمؤسسة مختصة في هذا الأمر، وعندما تقول كلامها، سنرضخ له جميعا".
وللتذكير، فأنه سبق لوزير العدل، كرد فعل منه، على ما يبدو، على الانتقادات الموجهة لقانون المسطرة المدنية، من الناحية الدستورية، أن وجه، أثناء مناقشة مشروع القانون في الجلسة العامة لمجلس النواب، تحديا صارخا لرئيس مجلس النواب، قائلا له:
"إن هناك بعض اللمز والغمز في ما يتعلق بالمحكمة الدستورية، كأن التزام السيد الرئيس بإحالة القانون على المحكمة الدستورية قبض الروح قبل أن تخرج. يا سيدي الرئيس، أنا أطلب منك أن تحيله على المحكمة الدستورية، أنا أريد أن يحال على المحكمة الدستورية، ولتلغه المحكمة الدستورية، وليعد إلى هنا لنناقشه من جديد. فهل سيتغير العالم ............. ليس لي مطلقا أي مشكل، وأنا كرجل قانون لن أكون معترضا على إحالة هذا القانون على المحكمة الدستورية، على العكس تماما، أريد رأي المحكمة الدستورية. لذلك، التزموا بقراركم السيد الرئيس، وافتخروا بذلك، وردوا عليهم قولوا لهم، لا ضرورة لتلك الإشارات كلها".
وبالفعل قبل الرئيس التحدي، وصدر قرار المحكمة الدستورية في الموضوع، بلهجة فيها ما ينم عن بعض الانزعاج من المحكمة من بعض المقتضيات، واستغلت الفرصة لتوجيه رسائل خفية، وأحيانًا صريحة، إلى البرلمان وإلى الحكومة باعتبارها صاحبة المبادرة في اقتراح القانون.
ودون الدخول في تفاصيل القرار، فإننا سنركز تدخلنا على أهم قاعدة وضعتها المحكمة بخصوص الإحالات الاختيارية التي لا تتضمن ملاحظات أو مؤاخذات على النص المحال، وهو ما يطلق عليه "الإحالات البيضاء".
في حالة الإحالات البيضاء.. تكون المراقبة الدستورية مراقبة دنيا وانتقائية:
يجدر التذكير بأن رئيس مجلس النواب اكتفى، في الرسالة الموجهة إلى المحكمة الدستورية، "بإحالة القانون المتعلق بالمسطرة المدنية في صيغته النهائية كما صادق عليها مجلس المستشارين في قراءة ثانية"، دون أن يثير بشأنه أي ملاحظات أو مؤاخذات. غير أنه يتضح من حيثيات القرار، أن المحكمة توصلت بملاحظات كتابية حول القانون من طرف بعض البرلمانيين ومن رئيس الحكومة، إلا أنها لم تفصح عن فحوى هذه الملاحظات، وهو أمر مؤسف، ونأمل أن تسمح المحكمة، مستقبلا، بالاطلاع على الوثائق التي لها صلة بالإحالة، إسوة بنظيرها المجلس الدستوري الفرنسي.
على أي، فإن المحكمة لم تترك الفرصة تمر دون أن تعقلن وتؤطر الإحالات الاختيارية للقوانين في إطار مراقبة دستوريتها.
وفي هذا الإطار، فقد سبق للمحكمة الدستورية أن لمحت إلى خصوصية مراقبة دستورية القوانين، وذلك بمناسبة توصلها بطلب التنازل عن الإحالة وسحب بعض موقعيها لتوقيعاتهم، حيث أجابتهم بالقول "وحيث إنه، لئن كان الحق في التنازل يقابله الحق في إقامة الدعوى، فإن هذه القاعدة المدنية يقتصر إعمالها على الدعاوى الشخصية الرامية إلى حماية حقوق أو مراكز قانونية فردية، ولا تطبق على إطلاقيتها، في الدعاوى الموضوعية، لا سيما منها تلك التي ترمي إلى التحقق من التقيد بسمو الدستور؛ وحيث إن طلب التنازل يرمي إلى وقف تفعيل ونفاذ المراقبة الدستورية، مع ما ينطوي عليه ذلك من الحد من صلاحيات المحكمة الدستورية في بسط نظرها على إحالة معروضة عليها ومستوفية لشروط قبولها...... رفض الطلب". (قرار رقم 66/17 بتاريخ 23 دجنبر 2017).
وما هذا الموقف إلا تأكيد للفرق الموجود بين مراقبة دستورية القوانين والدعاوى الأخرى، مدنية أو إدارية أو جنائية، أو غيرها، لا سيما، في ما يخص موضوعنا، بالوسيلة القانونية المقررة لعرض القضية على الجهة القضائية المختصة.
وبهذا الخصوص، فإن بعض النصوص ذات الطبيعة العامة تقضي بأن الدعاوى ترفع بواسطة مقال يتضمن، من بين ما يتضمنه، الأسماء العائلية والشخصية وصفة أو مهنة وموطن أو محل إقامة المدعى عليه والمدعي........ وموضوع الدعوى والوسائل المثارة (انظر الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية الحالي).
في حين أنه، في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين، فإن الدستور اقتصر على إقرار حالات اللجوء على المحكمة الدستورية، والجهات المخول لها ذلك، دون التطرق إلى الوسيلة القانونية التي يتم بواسطتها عرض المسألة على المحكمة، ولا إلى فحوى الإحالة.
لذا كان من اللازم انتظار صدور القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، لنجد في المادة 23 منه تنص على أن إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقتها للدستور، طبقًا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 منه، تكون برسالة من الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو برسالة أو رسائل تتضمن في مجموعها إمضاءات ما لا يقل عن خُمس أعضاء مجلس النواب أو عن أربعين عضوًا من أعضاء مجلس المستشارين.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المادة المذكورة تتحدث عن "رسالة" وليس إلى "عريضة" أو مقال، دون إعطاء أي إشارة إلى مضمون هذه الرسالة، علما أن هناك فرقًا جوهريًا بين المفهومين من الناحية القانونية.
وعليه، فإن القراءة الحرفية للمادة تجعل من المشروع استنتاج أنه يكفي أن تتضمن الرسالة موضوعها، أي طلب فحص مطابقة القانون للدستور، دون أن تتضمن بالضرورة ملاحظات أو مؤاخذات محددة بشأن القانون المحال على المحكمة، في غياب مقتضيات مخالفة. وهذا النوع من الإحالات هو ما يُعرف ب "الإحالات البيضاء".
ولعل ما يزكي هذا الطرح، هو أن الفقرة الثانية من المادة 25 من القانون التنظيمي المذكور لم تنص إلا على فتح الإمكانية، وليس الوجوب، بالنسبة لرئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين وأعضاء المجلسين (كلهم وليس فقط موقعو الإحالة) للإدلاء للمحكمة "بما يبدو لديهم من ملاحظات كتابية في شأن القضية المعروضة عليها".
إضافة إلى ذلك، وخلافا لنظيرها المجلس الدستوري الفرنسي، فإن المحكمة الدستورية لا تتوفر على نظام للإجراءات المسطرية في مجال المراقبة الدستورية، والذي كان من شأنه أن يرفع اللبس الذي يحيط بهذه النقطة.
ومع ذلك، فإن المحكمة، كرد فعل منها إزاء الاتكالية التي تستشف من بعض رسائل الإحالة، الإحالات البيضاء، واعتبارا للعدد الكبير لمواد قانون المسطرة المدنية والبالغ 644 مادة، وللأجل القصير نسبيا المحدد للمحكمة لتبت في الطلب، والذي لا يتعدى شهرا واحدا، لم تتردد في انتهاز الفرصة لإرساء تنظيم لطريقة إحالة القوانين عليها، حتى لا تتمتع هذه الإحالات بنفس المعاملة المقررة بشأن القوانين التنظيمية.
وهكذا قررت المحكمة، في ما يتعلق بالإحالة أنه "حيث إن إحالة قانون المسطرة المدنية المكون من 644 مادة، لم تتطرق إلى مآخذ تتعلق بمقتضيات النص المعروض على نحو محدد، مما يتوقف معه عمل المحكمة في الحيثيات بعده، على التحقق من إقرار النص طبقا للإجراءات المنصوص عليها دستورا، وبيان المقتضيات غير المطابقة للدستور أو المخالفة لأحكامه".
ويبدو أن المحكمة تسير في الاتجاه نفسه الذي سار فيه المجلس الدستوري الفرنسي الذي ذهب إلى حد التصريح بمطابقة القانون للدستور لسبب وحيد، وهو خلو رسالة الإحالة من أي مؤاخذة بشأن القانون المحال عليه (Décision n° 2011-630 DC du 26 mai 2011).
وبهذا التوجه الجديد، تكون المحكمة قد أرادت إرساء نوع من التقارب مع المنازعات المدنية وتطبيق القاعدة المنصوص عليها في المادة 3 من قانون المسطرة المدنية الحالي، والتي مفادها أنه "يتعين على القاضي أن يبت في حدود طلبات الأطراف، ولا يسوغ له أن يغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات".
ولا يجب أن ننسى أن المحكمة سبق لها أن صرحت، في قرارها رقم 66/17 بتاريخ 23 دجنبر 2017، بأن "عمل المشرع محاط بمبدأ القرينة الدستورية" ولو أنه أضافت بأن "هذه القرينة يمتد إليها الشك بإحالة الموضوع المتعلق بها على المحكمة الدستورية، التي يصبح عليها واجب رفع هذا الشك والتحقق من دستوريته، بغض النظر عن الموقف البعدي لمقدمي الإحالة منها، ضمانا لمبدأ الأمن القانوني".
وهكذا، ودون أن تذهب المحكمة إلى حد التصريح برفض الإحالات البيضاء، إلا أنها قررت أنها، في هذه الحالة، تقتصر على ممارسة مراقبة دنيا، تتمثل في "التحقق من إقرار النص طبقا للإجراءات المنصوص عليها دستوريا، وبيان المقتضيات غير المطابقة للدستور أو المخالفة لأحكامه".
بل أكثر من ذلك، فإن المحكمة أوضحت، في الحيثية نفسها، أنها "في إطار مراقبتها لدستورية هذا القانون تراءى لها أن تثير فقط، المواد والمقتضيات التي بدت لها بشكل جلي وتبين أنها غير مطابقة للدستور أو مخالفة له".
وبعبارة أخرى، فإن المحكمة، أمام إحالة خالية من أي مؤاخذة على القانون المحال عليها، هي التي تقرر بحرية أي من الأحكام سوف تدرسها، دون إعطاء أي توضيح بشأن المعيار الذي اعتمدته للقيام بانتقاء الأحكام التي ستدرسها، من جهة، ومن جهة أخرى للقول ما يبدو ويتبين منها بشكل جلي أنها غير مطابقة للدستور أو مخالفة له، وكأن هذا التمييز واضح في حد ذاته، حتى قبل أن تشرع المحكمة في دراستها.
لكن المحكمة، حرصا منها على طمأنة كل من لم يقتنع أو خاب ظنه في رفضها النظر في جميع أحكام القانون، لمحت إلى أن القضية لم تُخسر نهائيًا، وأن هناك فرصا أخرى لإثارة عدم دستورية باقي مواد القانون، في إطار الدفع بعدم الدستورية، إذ صرحت بأن "المشرع الدستوري إنما رام ضمان التكامل بين الرقابتين القبلية الاختيارية والبعدية في إطار الدفع بعدم دستورية القوانين، تحقيقا لسمو الدستور وحماية للحريات والحقوق الأساسية التي يكفلها بموجب أحكامه، ولا سيما بالنسبة للنص المعروض الذي تنتظم به إجراءات الدعاوى الخاضعة للمسطرة المدنية"، ولكل حادث حديث!
والسؤال المطروح هو: هل يُمكن تطبيق هذه القاعدة في حالة مراقبة دستورية القوانين التنظيمية؟ وللإجابة على السؤال، تجدر الإشارة إلى أن مراقبة دستورية القوانين التنظيمية إجبارية، إذ تنص الفصل 132 من الدستور يستعمل عبارة "تحال إلى المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية"، وهو ما يعني إجبارية الإحالة، لأن الفعل المضارع، عند استعماله في النصوص القانونية، يفيد الوجوب، بينما عند الحديث عن الإحالات الاختيارية، استعمل الفصل المذكور عبارة "يمكن.......... أن يحيلوا القوانين...".
من جانبها نصت المادة 21 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية على أن إحالة القوانين التنظيمية على المحكمة الدستورية تكون "على الفور" (ما يقابله في الصيغة الفرنسية «sans délai»).
وبالجمع بين إجبارية الإحالة وبين فوريتها، فإنه لا يستساغ أن يطالب رئيس الحكومة بإرفاق رسالته بملاحظات على القانون التنظيمي. بمعنى أنه، في هذه الحالة، يقع العمل بأكمله على عاتق المحكمة، التي يجب عليها دراسة كل مادة من النص والبت في دستورية القانون التنظيمي بأكمله.
وينطبق هذا المنطق، للأسباب نفسها، على الأنظمة الداخلية اللوائح الداخلية لغرفتي البرلمان.
أما بخصوص مسألة مطابقة الالتزامات الدولية، يبدو في نظرنا أن المحكمة الدستورية لا يمكن أن تكتفي بممارسة حد أدنى من الرقابة على هذه الالتزامات، خاصة إذا صدرت الإحالة من جلالة الملك، وذلك بسبب عواقب التناقض المحتمل مع الدستور، ألا وهو ضرورة القيام بمراجعة للدستور قبل المصادقة على الالتزام المعني، وذلك طبقا لأحكام الفصل 55 من الدستور الذي ينص على أنه إذا صرحت المحكمة الدستورية...................، أن التزاما دوليا يتضمن بندا يخالف الدستور، فإن المصادقة على هذا الالتزام لا تقع إلا بعد مراجعة الدستور".
تبعات قرار المحكمة الدستورية:
بصفة عامة، ولكي نبقى منحصرين في موضوعنا، عندما تثير المحكمة الدستورية عدم التطابق أو عدم التوافق مع الدستور فإنها تضرح في قرارها:
– إما أن تكتفي بالقول بأن مقتضيات النص المعروض عليها مخالفة، كلها أو البعض منها، للدستور، وفي هذه الحالة، لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذه؛
– وإما أن تقرر بأن المقتضيات التي صرحت بعدم دستوريتها يمكن فصلها عن مجموع النص، وفي هذه الحالة "يجوز إصدار الأمر بتنفيذ القانون التنظيمي أو القانون أو النظام الداخلي باستثناء المادة المصرح بعدم مطابقتها للدستور" (المادة 27 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية).
ومع ذلك، فقد لا تصرح المحكمة بعدم مطابقة النص للدستور، ولو أن هذه النتيجة تستخلص من مضمون القرار. وكمثال على ذلك، قد تصرح المحكمة بأن "لإجراءات المتبعة لإقرار القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، غير مطابقة للدستور" (القرار رقم 207/23 بتاريخ 21 فبراير 2023).
ورجوعا إلى قانون المسطرة المدنية، فإن المحكمة صرحت، بالفعل، بأن مجموعة من مقتضياته غير مطابقة للدستور، لكن دون التصريح بأن هذه المقتضيات يمكن فصلها عن مجموع القانون، مما يستتبع بالضرورة عدم إمكانية إصدار الأمر بتنفيذه كله. وبالتالي، فإنه يتعين على الحكومة أن تراجع نسختها وتعمل على تنقيحها من المؤاخذات التي أثارتها المحكمة الدستورية.
لكن المشكل يكمن في أن المحكمة، عندما صرحت بعدم دستورية بعض مقتضيات القانون، لم تصرح في الوقت نفسه بأن المقتضيات الأخرى ليس فيها ما يخالف الدستور. لذا، فإن الحكومة لن يكون عليها، فقط، مراجعة المقتضيات المصرح بعدم دستوريتها، بل يتعين عليها القيام بدراسة جديدة لكل مقتضيات القانون، طالما أن المحكمة صرحت بأنه "تراءى لها أن تثير فقط، المواد والمقتضيات التي بدت لها بشكل جلي وتبين أنها غير مطابقة للدستور أو مخالفة له"، مضيفة أنها تقضي "ومن غير حاجة لفحص دستورية باقي مواد ومقتضيات القانون المحال".
وهذا يعني أن المؤاخذات المثارة تكفي، لوحدها، لإسقاط القانون، وبأن المحكمة قد تثير مؤاخذات أخرى، ولن تتردد في ذلك، إما بمناسبة إعادة فحص دستورية القانون في صيغته المراجعة (بشرط إحالته عليها من جديد)، وإما بمناسبة البت في الدفع بعدم دستورية مقتضياته، علما أن المحكمة سبق لها أن صرحت أنه، طالما أن القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم الدستورية لم يصدر بعد، فإنه يتعذر عليها البت في طلب يرمي إلى الدفع بعدم دستورية مادة من قانون ساري المفعول. (انظر قرار المحكمة الدستورية رقم 80/18 بتاريخ 12 يوليوز 2018 يتعلق بالمادة 265 من قانون المسطرة الجنائية).
بالطبع، لا شيء يُلزم الأطراف التي يحق لها إحالة الأمر إلى المحكمة بإحالة النسخة الجديدة للقانون إليها مرة أخرى، بعد تمام الموافقة عليه، (بخلاف القوانين التنظيمية). إلا أن الأخلاقيات والاحترام الواجب للمحكمة يفرضان على هذه الأطراف العودة إليها من أجل التحقق من أن ملاحظاتها قد تم أخذها، حرفيا، بعين الاعتبار.
ولكن السؤال يبقى مطروحا عما سيحدث إذا أُحيل القانون الجديد إلى المحكمة بواسطة إحالة بيضاء؟ هل ستركز فقط على المواد أو المقتضيات التي سبق للمحكمة أن أثارت عدم دستوريتها؟ أم أنها ستتصرف مع القانون كما لو أن الأمر يتعلق بإحالة لأول مرة؟
وفي المقابل، إذا توصلت المحكمة بإحالة تتضمن ملاحظات أو مؤاخذات على القانون، هل ستلتزم باجتهادها وتحصر نظرها فقط في البت في دستورية المقتضيات المعنية، أم أنها ستذهب إلى أبعد من ذلك؟
سؤال نترك للمستقبل أن يجيب عنه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.